بحث حول سياسات الاستثمار في البلاد العربية




الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

يبني المستثمر قراراته في توظيف الأموال و بناء مشاريعه بالاستناد إلى اعتبارات و عوامل محددة أيهمها فرص تحقيق الربح و استقرار النظام القائم و حرية تحويل الأموال و الأرباح بالإضافة إلى المناخ العام للاستثمار والذي يشمل وضوح السياسات و القوانين ومدى توفر المعلومات حول فرص الاستثمار المتاحة و درجة الالتزام بتنفيذ التعهدات المتفق عليها ولا بد من التأكيد على توفر البنية الأساسية التحتية
تأتى أهمية هذه الاعتبارات من إن سوق المال التي تستقطب المدخرات للاستثمار لم تعد مجزأة كما كانت عليه من قبل و إنما تتسم الآن بخاصية العالمية التي تتيح للمستثمرين الاستفادة من فرص الاستثمار في جميع أنحاء العالم نتيجة للتطور الهائل في مجال جمع المعلومات وتوزيعها إلكترونيا هذا يضع مختلف المناطق في وضع التنافس بين بعضها البعض لإقناع المدخرين المحليين واجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية
ومما يزيد من حدة التنافس على اجتذاب الأموال تركز معظم المدخرات في ألمانيا الاتحادية و اليابان و نظرا لضخامة الإمكانات المالية فان المستثمرين الألمان و اليابانيين على درجة كبيرة من الحذق و التحوط و التحفظ أمام فرص الاستثمار المختلفة
وإذا كان توافر الحوافز والعوامل التي تشجع على الاستثمار في الدول العربية يختلف بين دولة وأخرى خاصة في مجال البنية الأساسية فان دولا في جنوب شرق آسيا قد تمكنت إلى حد كبير ممن تذليل عوائق الاستثمار فيها مثل تايلاند ، ماليزيا سنغافورة إندونيسيا كوريا الجنوبية . الأمر الذي مكن تلك الدول من الفوز باهتمام الكثير من المستثمرين الأجانب خاصة في اليابان و هذا بالطبع يزيد من التنافس وراء الأموال ومن صعوبة استقطابها إلي المنطقة العربية إلا إذا توافرت فرص و ظروف مماثلة على الأقل .
في عدد من البلاد العربية يمثل القطاع العام نسبة عالية من مجموع الاستثمارات فتبلغ نحو 70 % كالجزائر و مصر و السودان و سورية و اليمن .
و في البلاد التي تمثل فيه الاستثمارات العامة نسبة مرتفعة يسيطر القطاع العام على عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية فالنظام المصرفي و التأمين و التجارة الخارجية و الصناعة الحديثة و التعدين و التشييد و المرافق العامة و النقل بأنواعه المختلفة .
و يرجع هذا الوضع إلى أسباب مختلفة ففي بعض البلاد تعود سيطرة القطاع العام إلى التوجه الاشتراكي و في بلاد أخرى تختلط الاعتبارات الأيدلوجية باعتبارات مثل استخدام الفوائض في تمويل العملية الإنتاجية أو عدم وجود قطاع خاص قادر على إنشاء و إدارة المشروعات الكبرى أو رغبة الدولة في الاستيلاء على ما يسمى الارتفاعات الإستراتيجية في الاقتصاد القومي .
و مهما كانت الأسباب الكامنة وراء سيطرة القطاع العام فقد كان من المفترض إن يسهم في التطور الاقتصادي ولكن الواقع يشير إلى غير ذلك .و قد استخدمت مؤشرات مختلفة لقياس مستوى الأداء و من ذلك حجم الخسارات الكلية و تأثيرها على الموازنة العامة و العائد على راس المال و العجز في ميزان المدفوعات و المديونية الخارجية و كانت النتيجة مع بعض الاستثناءات إن وحدات القطاع العام تتعرض لخسارات كبيرة متتالية و تساهم في عجز الموازنة العامة و اختلال ميزان المدفوعات .
و تتمثل نقطة البداية في إصلاح القطاع العام في الاعتراف بان القدرة على إدارة النظام الاقتصادي في البلدان النامية لها حدود لا يمكن تخطيها و هناك من الدلائل ما يشير إلى أن حجم القطاع العام قد تجاوز تلك الحدود وان ثمة حاجة ماسة إلى إعادة النظر بالحجم الأمثل للقطاع العام بما يتماشى مع الاحتياجات الحقيقية للتنمية و في وضوء الإمكانات الإدارية و المالية المتاحة و من المسلم به إن الدولة سوف تستمر في القيام بدور هام في النظام الاقتصادي و هذا أمر لا مفر منه إذا أخذنا بعين الاعتبار ضيق السوق المحلية و عجز عناصر الإنتاج عن التنقل كما يجب و ضعف القطاع الخاص غير إن الحجم الحالي للقطاع العام يتجاوز بكثير ما يمكن تبريره على أساس هذه الاعتبارات و من الصعب تبرير استمرا ر قيام الدولة في عدد من البلاد العربية امتلاك و إدارة محلات لتجارة التجزئة و بيع المواد الغذائية و مخابز الطحين و مطابع و مجلا ت لبيع الكتب و فنادق و وكالات للساحة و السفر و الشركات للإعلان و تربية الدواجن ومصايد الأسماك و…
من ناحية أخرى توجد أنشطة اقتصادية ينبغي إن تترك إن تترك بطبيعتها للقطاع العام و من ذلك وجوب قيام الدولة بخدمات التعليم و الصحة و الدفاع و الأمن بالإضافة إلى وظائفها التقليدية بل إن القطاع العام في اغلب البلدان النامية يجب إن يتولى شؤون البنية الأساسية لما في ذلك المياه و الكهرباء و المواصلات و الصحة و الطرق و الري .
دور الضمان في جذب الاستثمارات :
إن دور الضمان في جذب الاستثمارات دور تكميلي و إن تحسن مناخ الاستثمار في جوانبه المختلفة السياسة و الاقتصادية و المؤسساتية هو العامل الأساسي لجذب الاستثمارات المباشرة الوافدة من المنطقة العربية و غني عن الذكر القول إن عملية تحسين مناخ الاستثمار عملية في غاية التعقيد و يصعب معالجتها على المدى القصير و لكن من الأمور المشجعة إن هذه المسالة قد أخذت مكان الصدارة في النقاش الدائر علنيا حول مشكلات التنمية عموما و مشكلة المديونية على وجه الخصوص و الرأي السائد حول هذا الموضوع كما يبدو هو إن تحسين مناخ الاستثمار بإعادة هيكلة و تصحيح الاقتصادات التي تعاني من مشكلات مزمنة في اتجاه تحرري كفيل بجذب المزيد من الموارد خاصة الاستثمارات المباشرة التي لا تكبد الدولة بالديون الإضافية و تجلب معها تقنية جديدة و خبرات إدارية نافعة .أي إن مزيدا من التدفقات الاستثمارية التجارية هي من المداخل الهامة لحل مشكلة المديونية و في النهاية مشكلة التنمية و لا شك في إن مضاعفة جهود و عون المجتمع الدولي و الإقليمي شرط أساسي لإحراز تقدم ملموس في هذا المجال و لكن تبقى الجهود الذاتية للدول المعنية هي العامل الحاسم .
سياسات الاستثمار في مصر :
يعتبر معدل التراكم الرأسمالي هو المتغير الأساسي الذي يحدد معدل النمو في الاقتصاد في خلال الأمد المتوسط ،هذا بينما يعتبر تخصيص موارد الاستثمار بين القطاعات و الأنشطة هو العمال الحاسم في تحديد مدى النمو و التوازن طويلي الأجل و مدى استمرارهما .
و بعد أن خاضت مصر عقد من النمو في الاستثمار و الناتج المحلي الإجمالي بشكل لم تشهده من قبل 9% سنويا و ذلك في خلال الفترة من منتصف السبعينيات و حتى نتصف الثمانيان بدأت مصر تعاني مرة أخرى من كل أعراض الاختلال الهيكلي و الركود اللذين سادا في خلال فترة ما بين حربي عام 1964-1973 و لقد كانت استراتيجية الاستثمار إلى جانب مجموعة السياسات الاقتصادية التي اتبعت منذ الانفتاح في خلال السبعينيات مسؤولة إلى حد كبير عن نمط الاستثمار غير الملائم الذي أدى بدوره إلى تفاقم مشكلات الاختلال في سوق العمالة و سوق الصرف الأجنبي و الموازنة العامة للحكومة (ص337).
وعلى مدى 15 عام الماضية كان التغير الهيكلي ينطوي على النمو السريع في قطاعات السلع المنتجة للسوق المحلية و الخدمات و على حساب القطاعات المنتجة للسلع التي يمكن تداولها في الأسواق الخارجية فيما عدا البترول و قد أدى عدم الاهتمام نوعا ما بالاستثمار في الزراعة و الصناعة بدوره إلى تفاوت الكبير بين معدلات النمو في كل من الطلب و العرض الإجماليين و ما ترتب على ذلك من آثار سلبية برزت بانخفاض الصادرات من السلع الزراعية و الصناعية و تزايد الاعتماد على استيراد السلع الاستهلاكية بالإضافة إلى السلع الرأسمالية و الوسيطة.
و علاوة على ما تقدم ، ترتب المغالاة في سعر الصرف ،إلى جانب التطورات في أسعار الفائدة ، تشجيع عملية الميكنة السريعة في أهم قطاعين استيعابا للعملة النتيجة و هما قطاعا الصناعة و الزراعة .
وقد كان من نتيجة استخدام أساليب ذات الكثافة بالنسبة لراس المال أن انخفضت القدرة على استعياب العمالة بشكل واضح ، ود تفاقم هذا الوضع مع تقلص موارد الحكومة و اضطرارها إلى الحد من التوظيف الحكومي .
و بذلك قفز معدل البطالة الظاهري من 7% في عام 1976الى 15%في عام 1986.
وقد كان عجز الحكومة عن كبح جماح التضخم ، هو إحدى السمات الأخرى البارزة التي اتسمت بها الفترة 15 عاما الماضية و قد أدى هذا مقترنا بالتعبير الجبري لمنتجات القطاع العام ، إلى التحرك في دائرة مغلقة ، حيث كانت محاولة الحكومة لاحتواء الضغوط التضخمية هي نفسها المسؤولة عن التمويل التضخمي و ما ترتب عليه من عجز مزمن في الموازنة العامة للدولة و تزايد الاختلال في الهيكل الأسعار و استمرار التضخم .
وقد كان للاتجاه غير المتماثل في الزيادة في الأسعار آثار سيئة على تخصيص المدخرات و الاستثمارات ،كما شجع أنشطة المضاربة و اكتناز و هروب راس المال بدلا من الاستثمار في القطاعات المنتجة . و في مواجهة الاختلال الهيكلي ، وضعت الحكومة في منتصف عام 1986برنامجا للإصلاح و التثبيت الاقتصادي ، و قد كانت الأسعار و أسعار الصرف و أسعار الفائدة و الإنفاق من أهم أدوات هذا الإصلاح . و بالنسبة لسياسات الاستثمار ، تعمل الحكومة على تهيئة مناخ أكثر تحررا و منافسة ، بحيث يمكن جذب المزيد من راس المال سواء من المستثمرين المصريين أو الأجانب . و مع هذا ، فان القضية الأساسية التي تثار الآن تتعلق بمدى اعتماد برنامج الإصلاح على إجراءات إعادة توزيع الإنفاق . و سيتحد هذا في ضوء مدى استخدام سياسة تقييد الائتمان و زيادة أسعار الفائدة ، و أثرها على تقليص الإنفاق الاستثماري الإجمالي .ص239سياسات الاستثمار في المغرب : عانى المغرب من نقص الاستثمار عقد الستينات فلما ارتفعت مؤقتا إيرادات الفوسفات كان هذا الارتفاع فرصة لبلورة رغبة تعويض معفاة وذلك في منتصف السبعينات بفضل طفرة عابرة في الاستثمارات العامة وبذلك انقلبت الأوضاع من نقص في الاستثمار إلى أفراد فيه و الأفراد معناها الاستثمار بما يجاوز المقدرة على الاستثمار المعقولة و الراشدة فحدث تبذير و اختلالات خطيرة على صعيد الاقتصاد الكلي فكان عقد الثمانينات هو عقد تصحيح الساسة الاقتصادية و إعادة هيكلة الجهاز الإنتاجي. ص432
و قد أنجز الكثير و الباقي المطلوب بعد كثير إذ لا بد من مواصلة تصحيح هياكل الاقتصاد و تصحيح المسمار في شؤون ن الاستثمار و هنا أيضا انقلبت الأمور من أقصاها إلى أقصاها إذ انعكس الأفراد في الاستثمار العام التي نقص فيه أي مما يزيد على الحاجة إلى ما يلفي بالحاجة ذلك أن الاستثمار العام ليس له بديل يمكنان يحل محله على الأقل من بعض القطاعات في بلد من بلدان العالم الثالث كالمغرب ثم هناك تكامل بين الاستثمار العام والخاص فإذا لم يحترم هذا التكامل فقد يؤدي ذلك عاجلا أم آجلا إلى وقف تقدم الاستثمار الخاص و أخيرا فان الرصيد المتوفر من المال العام لم يعد يصان بالقدر الكاف و هناك ضياع للكفاءة و تبذير الموارد و لذا فلابد من إعطاء دفعة جديدة للاستثمار و التنمية فالتصحيح الهيكلي أسهل و تأثير على النمو أسرع و هو ادعى إلى النمو منها إلى الركود بل ادعى إلى السلام الاجتماعي و لكن لا بد أيضا من دفعة جديدة إذ ا أريد مواجهة مشكلة كبيرة المشكلة المبرحة الماثلة في الدين الخارجي الذي يزاحم فل يخرج عن الحبلة الانتعاشية ليس فقط الاستثمار العام بل كل الاستثمار الشامل للبلد إذا يلتهم معظم فائضات الاقتصاد و الدول العربية فقد حبها الله الكثير من الثروات الطبيعية و البشرية التي يمكن أن تبنى منها أسس التقدم الاقتصادي إذا ما توفرت الاستثمارات المناسبة . فبالإضافة إلى المدخرات المحلية هناك أيضا موارد مالية ضخمة تقع خارج العالم العربي يمكن اجتذاب بعضها للمشاركة في استغلال الموارد العربية و تنميتها و الواقع أنها بالرغم من أهمية تعبئة المدخرات المحلية ، و اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية ، للمشاركة في التنمية العربية ، فإننا لم نقم بما فيه الكفاية ،و ما زلنا بعد بين عن الغاية المرجوة . كما أن هناك عددا من العوائق التي تحتاج إلى النظر فيها و استعراض ما وراءها بصراحة و دقة .


الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
جامعة دمشق – كلية الاقتصاد