النتائج 1 إلى 8 من 8
  1. #1
    رقم العضوية : 3562
    المشاركات : 4,030
    التقييم : 10

    الضمان في الشريعة الإسلامية

    منقول




    الضَمَان في الشريعة الإسلامية - الجزء الأول
    التّعريف :

    يطلق الضّمان في اللّغة على معان :

    أ - منها الالتزام ، تقول : ضمنت المال ، إذا التزمته ، ويتعدّى بالتّضعيف ، فتقول : ضمّنته المال ، إذا ألزمته إيّاه .

    ب - ومنها : الكفالة ، تقول : ضمّنته الشّيء ضماناً ، فهو ضامن وضمين ، إذا كفله .

    ج - ومنها التّغريم ، تقول : ضمّنته الشّيء تضميناً ، إذا غرّمته ، فالتزمه أمّا في اصطلاح الفقهاء فيطلق على المعاني التّالية :

    أ - يطلق على كفالة النّفس وكفالة المال عند جمهور الفقهاء من غير الحنفيّة ، وعنونوا للكفالة بالضّمان .

    ب - ويطلق على غرامة المتلفات والغصوب والتّعييبات والتّغييرات الطّارئة .

    ج - كما يطلق على ضمان المال ، والتزامه بعقد وبغير عقد .

    د - كما يطلق على وضع اليد على المال ، بغير حقّ أو بحقّ على العموم .

    هـ – كما يطلق على ما يجب بإلزام الشّارع ، بسبب الاعتداءات : كالدّيات ضماناً للأنفس ، والأروش ضماناً لما دونها ، وكضمان قيمة صيد الحرم ، وكفّارة اليمين ، وكفّارة الظّهار ، وكفّارة الإفطار عمداً في رمضان .

    وقد وضعت له تعاريف شتّى ، تتناول هذه الإطلاقات في الجملة ، أو تتناول بعضها ، منها :

    أ - أنّه : عبارة عن ردّ مثل الهالك ، إن كان مثليّاً ، أو قيمته إن كان قيميّاً .

    ب - وأنّه : عبارة عن غرامة التّالف .

    ج - وبالمعنى الشّامل للكفالة - كما يقول القليوبيّ - : إنّه التزام دين أو إحضار عين أو بدن .

    د - وفي مجلّة الأحكام العدليّة أنّه إعطاء مثل الشّيء إن كان من المثليّات وقيمته إن كان من القيميّات .

    هـ - وعند المالكيّة : شغل ذمّة أخرى بالحقّ .

    الألفاظ ذات الصّلة :

    أ - الالتزام :

    الالتزام في اللّغة : الثّبوت والدّوام ، وفي الاصطلاح الفقهيّ : إلزام المرء نفسه ما لم يكن لازماً لها .

    ب - العقد :

    العقد : ارتباط أجزاء التّصرّف الشّرعيّ ، بالإيجاب والقبول ، وفي المجلّة : ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محلّه ، فإذا قلت : زوّجت ، وقال : قبلت ، وجد معنىً شرعيّ ، وهو النّكاح ، يترتّب عليه حكم شرعيّ ، وهو : ملك المتعة .

    ج - العهدة :

    العهدة في اللّغة : وثيقة المتبايعين ، لأنّه يرجع إليها عند الالتباس .

    وهي كتاب الشّراء ، أو هي الدّرك أي ضمان الثّمن للمشتري إن استحقّ المبيع أو وجد فيه عيب .

    وفي الاصطلاح تطلق عند جمهور الفقهاء على هذين المعنيين : الوثيقة والدّرك .

    وعرّفها المالكيّة بأنّها : تعلّق ضمان المبيع بالبائع أي كون المبيع في ضمان البائع بعد العقد ، ممّا يصيبه في مدّة خاصّة .

    والضّمان أعمّ ، والعهدة أخصّ .

    د - التّصرّف :

    التّصرّف هو التّقليب ، تقول : صرّفته في الأمر تصريفاً فتصرّف ، أي قلّبته فتقلّب . وفي الاصطلاح يفهم من كلام الفقهاء : أنّه ما يصدر من الشّخص من قول أو فعل ، ويرتّب عليه الشّارع حكماً ، كالعقد والطّلاق والإبراء والإتلاف .

    وهو بهذا المعنى أعمّ من الضّمان .

    مشروعيّة الضّمان :

    شرع الضّمان ، حفظاً للحقوق ، ورعايةً للعهود ، وجبراً للأضرار ، وزجراً للجناة ، وحدّاً للاعتداء ، في نصوص كثيرة من القرآن الكريم ، والسّنّة النّبويّة ، وذلك فيما يلي :

    أ - فيما يتّصل بمعنى الكفالة ، بقوله تعالى : { وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } أي كفيل ضامن ، فقد ضمن يوسف عليه السلام لمن جاء بصواع الملك - وهو إناؤه الّذي كان يشرب به - قدر ما يحمله البعير من الطّعام .

    ب - وفيما يتّصل بالإتلافات الماليّة ونحوها ، بحديث : أنس رضي الله تعالى عنه قال : » أهدت بعض أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم طعاماً في قصعة ، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : طعام بطعام ، وإناء بإناء « .

    ج - وفيما يتّصل بضمان وضع اليد : حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « أي ضمانه .

    د - وفيما يتّصل بالجنايات - بوجه عامّ - ونحوها قوله تعالى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ }

    هـ – وفيما يتّصل بجنايات البهائم : حديث البراء بن عازب : » أنّه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدت فيه ، فقضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ حفظ الحوائط بالنّهار على أهلها ، وأنّ حفظ الماشية باللّيل على أهلها ، وأنّ ما أصابت الماشية باللّيل فهو على أهلها « .

    وحديث النّعمان بن بشير قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » من أوقف دابّةً في سبيل من سبل المسلمين ، أو في سوق من أسواقهم ، فأوطأت بيد أو رجل فهو ضامن « . وقد أجمع الفقهاء على أنّ الدّماء والأموال مصونة في الشّرع ، وأنّ الأصل فيها الحظر ، وأنّه لا يحلّ دم المسلم ولا يحلّ ماله إلاّ بحقّ

    ما يتحقّق به الضّمان :

    لا يتحقّق الضّمان إلاّ إذا تحقّقت هذه الأمور : التّعدّي ، والضّرر ، والإفضاء .

    أوّلاً : التّعدّي :

    التّعدّي في اللّغة : التّجاوز .

    وفي الاصطلاح هو : مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه شرعاً أو عرفاً أو عادةً .

    وضابط التّعدّي هو : مخالفة ما حدّه الشّرع أو العرف .

    ومن القواعد المقرّرة في هذا الموضوع : أنّ كلّ ما ورد به الشّرع مطلقاً ، ولا ضابط له فيه ، ولا في اللّغة ، يرجع فيه إلى العرف .

    وذلك مثل : الحرز في السّرقة ، والإحياء في الموات ، والاستيلاء في الغصب ، وكذلك التّعدّي في الضّمان ، فإذا كان التّعدّي مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه ، رجع في ضابطه إلى عرف النّاس فيما يعدّونه مجاوزةً وتعدّياً ، سواء أكان عرفاً عامّاً أم خاصّاً .

    ويشمل التّعدّي : المجاوزة والتّقصير ، والإهمال ، وقلّة الاحتراز ، كما يشتمل العمد والخطأ. ثانياً : الضّرر :

    الضّرر في اللّغة : نقص يدخل على الأعيان .

    وفي الاصطلاح : إلحاق مفسدة بالغير ، وهذا يشمل الإتلاف والإفساد وغيرهما .

    والضّرر قد يكون بالقول ، كرجوع الشّاهدين عن شهادتهما ، بعد القضاء وقبض المدّعي المال ، فلا يفسخ الحكم ، ويضمنان ما أتلفاه على المشهود عليه ، سواء أكان ديناً أم عيناً. وقد ينشأ الضّرر عن الفعل كتمزيق الثّياب ، وقطع الأشجار ، وحرق الحصائد .

    والضّرر قد يكون بالقول والفعل كما سبق ، وقد يكون بالتّرك ، ومثاله : امرأة تصرع أحياناً فتحتاج إلى حفظها ، فإن لم يحفظها الزّوج حتّى ألقت نفسها في النّار عند الصّرع ، فعليه ضمانها .

    ودابّة غصبت فتبعها ولدها ، فأكله الذّئب يضمنه الغاصب ، مع أنّه لم يباشر فيه فعلاً .

    ثالثاً : الإفضاء :

    من معاني الإفضاء في اللّغة : الوصول يقال : أفضيت إلى الشّيء : وصلت إليه . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .

    ويشترط لاعتبار الإفضاء في الضّمان ما يلي :

    أن لا يوجد للضّرر أو الإتلاف سبب آخر غيره ، سواء أكان هو مباشرةً أم تسبيباً .

    وأن لا يتخلّل بين السّبب وبين الضّرر ، فعل فاعل مختار ، وإلاّ أضيف الضّمان إليه ، لا إلى السّبب ، وذلك لمباشرته .

    تعدّد محدثي الضّرر :

    إذا اعتدى جمع من الأشخاص ، وأحدثوا ضرراً : فإمّا أن يكون اعتداؤهم من نوع واحد ، بأن يكونوا جميعاً متسبّبين أو مباشرين ، وإمّا أن يختلف بأن يكون بعضهم مباشراً ، والآخر متسبّباً ، فهاتان حالان :

    الحال الأولى :

    أن يكونوا جميعاً مباشرين أو متسبّبين : فإمّا أن يتّحد عملهم في النّوع ، أو يختلف.

    أ - ففي الصّورة الأولى ، أي إذا كانوا جميعاً مباشرين أو متسبّبين واتّحد عملهم نوعاً ، كان الضّمان عليهم بالسّويّة ، كما لو تعمّد جماعة إطلاق النّار على شخص واحد ، ولم تعلم إصابة واحد منهم ، يقتصّ منهم جميعاً ، وهذا محمل قول سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه " لو اشترك في قتله أهل صنعاء ، لقتلتهم جميعاً " .

    ب - وإذا كانوا جميعاً مباشرين أو متسبّبين ، واتّحد عملهم نوعاً ، لكن اختلف عملهم قوّةً وضعفاً ، كما لو حفر شخص حفرةً في الطّريق ، وجاء آخر فوسّع رأسها ، أو حفر الأوّل حفرةً وعمّق الآخر أسفلها ، فتردّى في الحفرة حيوان أو إنسان ، فالقياس عند الحنفيّة هو الاعتداد بالسّبب القويّ ، لأنّه كالعلّة ، عند اجتماعها مع السّبب ، وهذا رأي الإمام محمّد منهم .

    والاستحسان عندهم ، هو الاعتداد بالأسباب الّتي أدّت إلى الضّرر جميعاً ، قلّت أو كثرت ، وتوزيع الضّمان عليها بحسب القوّة والضّعف ، فيجب الضّمان أثلاثاً ، وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف وآخرين من الحنابلة ، وإن لم يميّزوا بين القوّة والضّعف ، واعتبروا الاشتراك وربّما رجّح بعضهم السّبب الأوّل ، كحافر الحفرة وناصب السّكّين فيها .

    الحال الثّانية :

    أن يكون المعتدون مختلفين ، بعضهم مباشر ، وبعضهم متسبّب :

    والأصل - عندئذ - تقديم المباشر على المتسبّب في التّضمين وذلك للقاعدة العامّة المعروفة عند جميع الفقهاء : إذا اجتمع المباشر والمتسبّب ، يضاف الحكم إلى المباشر . ومن أمثلة هذه القاعدة ما يلي :

    أ - لو حفر شخص حفرةً في الطّريق ، فألقى آخر نفسه ، أو ألقى غيره فيها عمداً ، لا يضمن الحافر ، بل الملقي وحده ، لأنّه المباشر .

    ب - لو دلّ سارقاً على مال إنسان ، فسرقه ، لا ضمان على الدّالّ .

    ويستثنى من قاعدة تقديم المباشرة على التّسبيب صور ، يقدّم فيها السّبب على العلّة المباشرة ، وذلك إذا تعذّرت إضافة الحكم إلى المباشر بالكلّيّة فيضاف الحكم - وهو الضّمان هنا - إلى المتسبّب وحده ، كما إذا دفع رجل إلى صبيّ سكّيناً ليمسكه له ، فسقط من يده ، فجرحه ، ضمن الدّافع ، لأنّ السّبب هنا في معنى العلّة .

    تتابع الأضرار :

    إذا ترتّبت على السّبب الواحد أضرار متعدّدة ، فالحكم أنّ المتعدّي المتسبّب يضمن جميع الأضرار المترتّبة على تسبّبه ، ما دام أثر تسبّبه باقياً لم ينقطع ، فإن انقطع بتسبّب آخر لم يضمن .

    فمن صور ذلك عند الحنفيّة :

    أ - سقط حائط إنسان على حائط إنسان آخر ، وسقط الحائط الثّاني على رجل فقتله : كان ضمان الحائط الثّاني والقتيل على صاحب الحائط الأوّل لأنّ تسبّب حائطه لم ينقطع .

    فإن عثر إنسان بأنقاض الحائط الثّاني ، فانكسر ، لم يضمن الأوّل ، لأنّ التّفريغ ليس عليه ، ولا يضمن صاحب الحائط الثّاني إلاّ إذا علم بسقوط حائطه ، ولم ينقل ترابه في مدّة تسع النّقل .

    ب - لو أشهد على حائطه بالميل ، فلم ينقضه صاحبه حتّى سقط ، فقتل إنساناً ، وعثر بالأنقاض شخص فعطب ، وعطب آخر بالقتيل ، كان ضمان القتيل الأوّل وعطب الثّاني على صاحب الحائط الأوّل ، لأنّ الحائط وأنقاضه مطلوبان منه ، أمّا التّلف الحاصل بالقتيل الأوّل، فليس عليه ، لأنّ نقله ليس مطلوباً منه ، بل هو لأولياء القتيل .

    إثبات السّببيّة :

    الأصل في الشّريعة ، هو أنّ المعتدى عليه الّذي وقع عليه الضّرر ، أو وليّه إن قتل، هو المكلّف بإثبات الضّرر ، وإثبات تعدّي من ألحق به الضّرر ، وأنّ تعدّيه كان هو السّبب في الضّرر .

    وذلك لحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » لو يعطى النّاس بدعواهم ، لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم ، لكن البيّنة على المدّعي ، واليمين على من أنكر « .

    وتثبت السّببيّة بإقرار المعتدي ، كما تثبت بالبيّنة إذا أنكر وتثبت بالقرائن ، وبيمين المدّعي وشاهد - على الجملة - ونحوها من طرق الإثبات .

    شروط الضّمان :

    يمكن تقسيم شروط الضّمان إلى قسمين :

    شروط ضمان الجناية على النّفس ، وشروط ضمان الجناية على المال .

    أوّلاً : شروط ضمان الجناية على النّفس : الجناية على النّفس إن كانت عمداً وكان الجاني مكلّفاً يجب فيها القصاص ، فإن كان الجاني غير مكلّف ، أو كانت الجناية خطأً وجبت فيها الدّية .

    ثانياً : شروط ضمان الجناية على المال : تتلخّص هذه الشّروط في أن يكون الاعتداء ، واقعاً على مال متقوّم ، مملوك ، محترم ، كما يشترط أن يكون الضّرر الحادث دائماً - فلو نبتت سنّ الحيوان لم تضمن المكسورة - ، وأن يكون المعتدي من أهل الوجوب ، فلا تضمن البهيمة ، ولا مالكها إذا أتلفت مال إنسان وهي مسيّبة ، لأنّه جبار .

    ولا يشترط كون الجاني على المال مكلّفاً ، فيضمن الصّبيّ ما أتلفه من مال على الآخرين ، ولا عدم اضطراره ، والمضطرّ في المخمصة ضامن ، لأنّ الاضطرار لا يبطل حقّ الغير .

    أسباب الضّمان :

    من أسباب الضّمان عند الشّافعيّة والحنابلة ما يلي :

    1 - العقد ، كالمبيع والثّمن المعيّن قبل القبض والسّلم في عقد البيع .

    2 - اليد ، مؤتمنةً كانت كالوديعة والشّركة إذا حصل التّعدّي ، أو غير مؤتمنة كالغصب والشّراء فاسداً .

    ج - الإتلاف ، نفساً أو مالاً .

    وزاد الشّافعيّة : الحيلولة ، كما لو نقل المغصوب إلى بلد آخر وأبعده ، فللمالك المطالبة بالقيمة في الحال ، للحيلولة قطعاً ، فإذا ردّه ردّها .

    وجعل المالكيّة أسباب الضّمان ثلاثةً :

    أحدها : الإتلاف مباشرةً ، كإحراق الثّوب .

    وثانيها : التّسبّب للإتلاف ، كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه ممّا شأنه في العادة أن يفضي غالباً للإتلاف

    وثالثها : وضع اليد غير المؤتمنة ، فيندرج فيها يد الغاصب ، والبائع يضمن المبيع الّذي يتعلّق به حقّ توفية قبل القبض .

    الفرق بين ضمان العقد وضمان الإتلاف :

    ضمان العقد : هو تعويض مفسدة ماليّة مقترنة بعقد .

    وضمان الإتلاف : هو تعويض مفسدة ماليّة لم تقترن بعقد .

    وبينهما فروق تبدو فيما يلي :

    أ - من حيث الأهليّة ، ففي العقود : الأهليّة شرط لصحّة التّصرّفات الشّرعيّة ، والأهليّة - هنا - هي : أهليّة أداءً ، وهي : صلاحية الشّخص لممارسة التّصرّفات الشّرعيّة الّتي يتوقّف اعتبارها على العقل ، لأنّها منوطة بالإدراك والعقل ، فإذا لم يتحقّقا لا يعتدّ بها .

    أمّا الإتلافات الماليّة ، والغرامات والمؤن والصّلات الّتي تشبه المؤن ، فالأهليّة المجتزأ بها هي أهليّة الوجوب فقط ، وهي صلاحيته لثبوت الحقوق له وعليه ، فحكم الصّغير غير المميّز فيها كحكم الكبير ، لأنّ الغرض من الوجوب - وهو الضّمان ونحوه - لا يختلف فيه حيّ عن آخر ، وأداء الصّغير يحتمل النّيابة .

    ب - من حيث التّعويض ، ففي ضمان العقد ، لا يقوم التّعويض على اعتبار المماثلة ويكون التّعويض بناءً على ما تراضيا عليه .

    أمّا الإتلافات الماليّة فإنّ التّعويض فيها يقوم على اعتبار المماثلة ، إذ المقصود فيها دفع الضّرر ، وإزالة المفسدة ، والضّرر محظور ، فتعتبر فيه المماثلة ، وذلك بعموم النّصّ الكريم ، وهو قوله تعالى : { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } .

    ج - من حيث الأوصاف والعوارض الذّاتيّة ، فقد فرّق الفقهاء في ضمانها في العقود وفي الإتلافات ، وقرّر الحنفيّة أنّ الأوصاف لا تضمن بالعقد ، وتضمن بالغصب ، وذلك لأنّ الغصب قبض ، والأوصاف تضمن بالفعل ، وهو القبض ، أمّا العقد فيرد على الأعيان ، لا على الأوصاف ، والغصب - وكذا الإتلاف - فعل يحلّ بالذّات بجميع أجزائها ، فكانت مضمونةً .

    محلّ الضّمان :

    محلّ الضّمان هو : ما يجب فيه الضّمان ، سواء أكان الضّمان ناشئاً عن عقد ، أم كان ناشئاً عن إتلاف ويد ، قال ابن رشد : فهو كلّ مال أتلفت عينه ، أو تلفت عند الغاصب عينه ، بأمر من السّماء ، أو سلّطت اليد عليه وتملّك .

    وقال ابن القيّم : محلّ الضّمان هو ما كان يقبل المعاوضة .

    ويمكن التّوسّع في محلّ الضّمان ، بحيث يشمل جميع المضمونات ، بأن يقسّم الفعل الضّارّ ، باعتبار محلّه ، إلى قسمين : فعل ضارّ واقع على الإنسان ، وفعل ضارّ واقع على ما سواه من الأموال ، كالحيوان والأشياء .

    وقد اعتبر بعض الفقهاء الاعتداء على المال والحيوان ضرباً من الجنايات ، فقال الكاسانيّ : الجناية في الأصل نوعان : جناية على البهائم والجمادات وجناية على الآدميّ ، فهذه محالّ الضّمان ، فالآدميّ مضمون بالجناية عليه ، في النّفس ، أو الأطراف .

    وأمّا الأموال فتقسم إلى : أعيان ، ومنافع ، وزوائد ، ونواقص ، وأوصاف .

    ونبحثها فيما يلي :

    أوّلاً : الأعيان :

    وهي نوعان : أمانات ، ومضمونات .

    فالأمانات : يجب تسليمها بذاتها ، وأداؤها فور طلبها ، بالنّصّ ، وهو قوله تعالى : { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } ، وتضمن حال التّعدّي ، وإلاّ فلا ضمان فيها ، ومن التّعدّي الموت عن تجهيل لها ، إلاّ ما استثني .

    والمضمونات ، تضمن بالإتلاف ، وبالتّلف ولو كان سماويّاً .

    والأعيان المضمونة نوعان :

    الأوّل : الأعيان المضمونة بنفسها ، وهي الّتي يجب بهلاكها ضمان المثل أو القيمة ، كالمغصوب ، والمبيع بيعاً فاسداً ، والمهر في يد الزّوج ، وبدل الخلع - إذا كان عيناً معيّنةً- وبدل الصّلح عن دم العمد ، إذا كان عيناً .

    الثّاني : الأعيان المضمونة بغيرها ، وهي الّتي يجب بهلاكها الثّمن أو الدّين ، كالمبيع إذا هلك قبل القبض ، سقط الثّمن ، والرّهن إذا هلك سقط الدّين ، وهذا عند الحنفيّة .

    وعند المالكيّة : الأعيان المضمونة ، إمّا أن تكون مضمونةً بسبب العدوان ، كالمغصوبات ، وإمّا أن تكون مضمونةً بسبب قبض بغير عدوان ، بل بإذن المالك على وجه انتقال تملّكه إليه ، بشراء ، أو هبة ، أو وصيّة ، أو قرض ، فهو ضامن - أيضاً - سواء أكان البيع صحيحاً ، أم كان فاسداً .

    وكذلك الأمر عند الحنابلة فقد عرّفوا الأعيان المضمونة ، بأنّها الّتي يجب ضمانها بالتّلف والإتلاف ، سواء أكان حصولها بيد الضّامن بفعل مباح ، كالعاريّة ، أو محظور كالمغصوب، والمقبوض بعقد فاسد ، ونحوهما .

    وعدّ السّيوطيّ المضمونات ، وأوصلها إلى ستّة عشر ، وبيّن حكم كلّ ، ومنها : الغصب ، والإتلاف ، واللّقطة ، والقرض ، والعاريّة ، والمقبوض بسوم ...

    وهل تشمل الأعيان المضمونة العقارات ؟

    مذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ومحمّد من الحنفيّة ، أنّ العقار يضمن بالتّعدّي ، وذلك بغصبه ، وغصبه متصوّر ، لأنّ الغصب هو : إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه ، أو هو : الاستيلاء على حقّ الغير عدواناً ، أو إزالة يد المالك عن ماله – كما يقول محمّد من الحنفيّة – والفعل في المال ليس بشرط ، وهذا يتحقّق في العقار والمنقول .

    وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيمن استولى على أرض غيره : » من ظلم قيد شبر من الأرض ، طوّقه من سبع أرضين « .

    ومذهب أبي حنيفة : أنّ الغصب إزالة يد المالك عن ماله بفعل في المال ، ولهذا عرّفه في الكنز بأنّه إزالة اليد المحقّة ، بإثبات اليد المبطلة ، وهذا لا يوجد في العقار ، ولأنّه لا يحتمل النّقل والتّحويل ، فلم يوجد الإتلاف حقيقةً ولا تقديراً .

    فلو غصب داراً فانهدم البناء ، أو جاء سيل فذهب بالبناء والأشجار ، أو غلب الماء على الأرض فبقيت تحت الماء فعليه الضّمان عند الجمهور ، ولا ضمان عليه عند أبي حنيفة وأبي يوسف .

    ولو غصب عقاراً ، فجاء آخر فأتلفه ، فالضّمان على المتلف ، عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند الجمهور يخيّر المالك بين تضمين الغاصب أو المتلف .

    وقالوا : لو أتلفه بفعله أو بسكناه ، يضمنه ، لأنّه إتلاف ، والعقار يضمن به ، كما إذا نقل ترابه .

    ثانياً : المنافع :

    ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المنافع أموال متقوّمة في ذاتها فتضمن بالإتلاف ، كما تضمن الأعيان ، وذلك:

    أ - لأنّها الغرض الأظهر من جميع الأموال .

    ب - ولأنّ الشّارع أجاز أن تكون مهراً في النّكاح ، في قصّة موسى وشعيب - عليهما السلام - مع اشتراط كون المهر فيه مالاً بالنّصّ بقوله تعالى : { أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم } .

    ج - ولأنّ المال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به ، أو هو - كما يقول الشّاطبيّ - ما يقع عليه الملك ، ويستبدّ به المالك ، والمنافع منّا أو من غيرنا بهذه الصّفة ، وإنّما تعرف ماليّة الشّيء بالتّموّل والنّاس يعتادون تموّل المنافع بالتّجارة فيها ، فإنّ أعظم النّاس تجارةً الباعة ، ورأس مالهم المنفعة .

    د - ولأنّ المنفعة - كما قال عزّ الدّين بن عبد السّلام - مباحة متقوّمة ، فتجبر في العقود الفاسدة والصّحيحة ، وبالفوات تحت الأيدي المبطلة ، والتّفويت بالانتفاع ، لأنّ الشّرع قد قوّمها ، ونزّلها منزلة الأموال ، فلا فرق بين جبرها بالعقود وبين جبرها بالتّفويت والإتلاف.

    وذهب الحنفيّة إلى أنّ المنافع لا تضمن بالغصب ، سواء استوفاها أم عطّلها أم استغلّها ، ولا تضمن إلاّ بالعقد ، وذلك :

    أ - لأنّها ليست بمال متقوّم ، ولا يمكن ادّخارها لوقت الحاجة ، لأنّها لا تبقى وقتين ، ولكنّها أعراض كلّما تخرج من حيّز العدم إلى حيّز الوجود تتلاشى فلا يتصوّر فيها التّموّل . وفي ذلك يقول السّرخسيّ : المنافع لا تضمن بإتلاف بغير عقد ولا شبهة .

    ب - ولأنّ المنفعة إنّما ورد تقويمها في الشّرع - مع أنّها ليست ذات قيمة في نفسها - بعقد الإجارة ، استثناءً على خلاف القياس ، للحاجة لورود العقد عليها ، وما ثبت على خلاف القياس يقتصر فيه على مورد النّصّ .

    والمالكيّة يضمّنون الغاصب إذا غصب لغرض المنفعة بالتّعدّي ، كما لو غصب دابّةً أو داراً للرّكوب والسّكنى فقط ، فيضمنها بالاستعمال ، ولو كان استعماله يسيراً .

    ولا يضمن الذّات في هذه الحال لو تلفت بسماويّ .

    ثالثاً : الزّوائد :

    وتتمثّل في زوائد المغصوب ونمائه .

    أ - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها مضمونة ضمان الغصب ، لأنّها مال المغصوب منه ، وقد حصلت في يد الغاصب بالغصب ، فيضمنها بالتّلف كالأصل الّذي تولّدت منه .

    ب - وعند الحنفيّة أنّ زوائد المغصوب - سواء أكانت متّصلةً كالسّمن ، أم منفصلةً كاللّبن والولد ، وثمرة البستان ، وصوف الغنم - أمانة في يد الغاصب ، لا تضمن إلاّ بالتّعدّي عليها ، بالأكل أو الإتلاف ، أو بالمنع بعد طلب المالك . وذلك لأنّ الغصب إزالة يد المالك ، بإثبات اليد عليه ، وذلك لا يتحقّق في الزّوائد ، لأنّها لم تكن في يد المالك .

    ج - وللمالكيّة هذا التّفصيل :

    أوّلاً : ما كان متولّداً من الأصل وعلى خلقته ، كالولد ، فهو مردود مع الأصل .

    ثانياً : وما كان متولّداً من الأصل ، على غير خلقته مثل الثّمر ولبن الماشية ففيه قولان : أحدهما أنّه للغاصب ، والآخر أنّه يلزمه ردّه قائماً ، وقيمته تالفاً .

    ثالثاً : وما كان غير متولّد ، ففيه خمسة أقوال :

    1 - قيل : يردّ الزّوائد مطلقاً ، لتعدّيه ، من غير تفصيل .

    2 - وقيل : لا يردّها مطلقاً من غير تفصيل ، لأنّها في مقابلة الضّمان الّذي عليه .

    3 - وقيل : يردّ قيمة منافع الأصول والعقار ، لأنّه مأمون ولا يتحقّق الضّمان فيه ، ولا يردّ قيمة منافع الحيوان وشبهه ممّا يتحقّق فيه الضّمان .

    4 - وقيل : يردّها إن انتفع بها ، ولا يردّها إن عطّلها .

    5- وقيل : يردّها إن غصب المنافع خاصّةً ، ولا يردّها إن غصب المنافع والرّقاب .

    رابعاً : النّواقص :

    لا يختلف الفقهاء في ضمان نقص الأموال بسبب الغصب ، أو الفعل الضّارّ ، أو الإتلاف أو نحوها ، سواء أكان ذلك النّقص عمداً أم خطأً أم تقصيراً ، لأنّ ضمان الغصب - كما يقول الكاسانيّ - ضمان جبر الفائت ، فيتقدّر بقدر الفوات .

    فمن نقص في يده شيء فعليه ضمان النّقصان ، وفيه تفصيل في المذاهب الفقهيّة :

    أ - مذهب الحنفيّة أنّ النّقص إمّا أن يكون يسيراً ، وإمّا أن يكون فاحشاً .

    والصّحيح عندهم - كما قال الزّيلعيّ - أنّ اليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة ، بل يدخل فيه نقصان في المنفعة ، كالخرق في الثّوب .

    والفاحش : ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة ، ويبقى بعض العين وبعض المنفعة . وقيل اليسير : ما لم يبلغ ربع القيمة ، والفاحش ما يساوي ربع القيمة فصاعداً .

    ففي النّقصان اليسير ليس للمالك إلاّ أخذ عين المغصوب ، لأنّ العين قائمة من كلّ وجه ، ويضمن الغاصب النّقصان .

    وفي النّقص الفاحش ، يخيّر المالك بين أخذ العين ، وتضمين الغاصب النّقصان ، وبين ترك العين للغاصب وتضمينه قيمة العين .

    فلو ذبح حيواناً لغيره مأكول اللّحم ، أو قطع يده ، كان ذلك إتلافاً من بعض الوجوه ، ونقصاً فاحشاً ، فيخيّر فيه المغصوب منه ، ولو كان غير مأكول اللّحم ، ضمن الغاصب الجميع ، لأنّه استهلاك مطلق من كلّ وجه ، وإتلاف لجميع المنفعة .

    ولو غصب العقار ، فانهدم أو نقص بسكناه ، ضمنه ، لأنّه إتلاف بفعله ، والعقار يضمن بالإتلاف ، ولا يشترط لضمان الإتلاف أن يكون بيده .

    وهذا بخلاف ما لو هلك العقار ، بعد أن غصبه وهو في يده فإنّه لا يضمنه ، لأنّه لم يتصرّف فيه بشيء ، فلا يجب الضّمان عند الشّيخين ، لأنّه غاصب للمنفعة ، وليست مالاً ، ولأنّه منع المالك عن الانتفاع ولا يضمن عينه .

    ب - ومذهب المالكيّة في النّقص ، أنّه إمّا أن يكون من قبل الخالق ، أو من قبل المخلوق . فإن كان من قبل الخالق ، فليس للمغصوب منه إلاّ أن يأخذه ناقصاً - كما يقول ابن جنّيّ - أو يضمن الغاصب قيمة المغصوب يوم الغصب .

    وقيل : إنّ له أن يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب .

    وإن كان من قبل المخلوق وبجنايته فالمغصوب منه مخيّر :

    1 - بين أن يضمّنه القيمة يوم الغصب ، ويتركه للغاصب ، وبين أن يأخذه ويأخذ قيمة النّقص ، يوم الجناية عند ابن القاسم ، أو يوم الغصب ، عند سحنون .

    2 - وعند أشهب وابن الموّاز : هو مخيّر بين أن يضمّنه القيمة ، وبين أن يأخذه ناقصاً ، ولا شيء له في الجناية ، كالّذي يصاب بأمر من السّماء .

    ولهم تفصيل في ضمان البناء أو الغرس في العقار ، نذكره في أحكام الضّمان الخاصّة ، إن شاء اللّه تعالى

    ج - ومذهب الشّافعيّة والحنابلة : أنّ كلّ عين مغصوبة ، على الغاصب ضمان نقصها ، إذا كان نقصاً مستقرّاً تنقص به القيمة ، سواء كان باستعماله ، أم كان بغير استعماله ، كمرض الحيوان ، وكثوب تخرّق ، وإناء تكسّر ، وطعام سوّس ، وبناء تخرّب ، ونحوه فإنّه يردّها ، وللمالك على الغاصب أرش النّقص - مع أجرة المثل ، كما قال القليوبيّ - لأنّه نقص حصل في يد الغاصب ، فوجب ضمانه .

    خامساً : الأوصاف وضمانها :

    إذا نقصت السّلعة ، عند الغاصب ، بسبب فوات وصف ، فإمّا أن يكون ذلك بسبب هبوط الأسعار في السّوق ، وإمّا أن يكون بسبب فوات وصف مرغوب فيه :

    أ - فإن كان النّقص بسبب هبوط الأسعار في الأسواق ، فليس على الغاصب أو المتعدّي ضمان نقص القيمة اتّفاقاً ، لأنّ المضمون نقصان المغصوب ، ونقصان السّعر ليس بنقصان المغصوب ، بل لفتور يحدثه اللّه في قلوب العباد ، لا صنع للعبد فيه ، فلا يكون مضموناً ولأنّه لا حقّ للمغصوب منه في القيمة ، مع بقاء العين ، وإنّما حقّه في العين ، وهي باقية ، كما كانت ، ولأنّ الغاصب إنّما يضمن ما غصب ، والقيمة لا تدخل في الغصب .

    ب - وإن كان النّقص بسبب فوات وصف مرغوب فيه ، فهو مضمون باتّفاق الفقهاء كما لو سقط عضو الحيوان المغصوب ، وهو في يد الغاصب بآفة سماويّة ، أو حدث له عند الغاصب عرج أو شلل أو عمىً ، ونحو ذلك فإنّ المالك يأخذ المغصوب ، ويضمن الغاصب النّقصان ، لفوات جزء من البدن ، أو فوات صفة مرغوب فيها ، ولأنّه دخلت جميع أجزائه في ضمانه بالغصب ، فما تعذّر ردّ عينه ، يجب ردّ قيمته .

    وطريق معرفة النّقصان أن يقوّم صحيحاً ، ويقوّم وبه العيب ، فيجب قدر ما بينهما .

  2. #2
    رقم العضوية : 3562
    المشاركات : 4,030
    التقييم : 10
    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء الثاني

    تصنيف العقود من حيث الضّمان :
    يمكن تصنيف العقود من حيث الضّمان إلى أربعة أقسام :

    أوّلاً : فهناك عقد شرع للضّمان ، أو هو الضّمان بذاته ، وهو : الكفالة - كما يسمّيها الحنفيّة - وهي - أيضاً - الضّمان كما يسمّيها الجمهور .

    ثانياً : وهناك عقود لم تشرع للضّمان ، بل شرعت للملك والرّبح ونحوهما ، لكن الضّمان يترتّب عليها باعتباره أثراً لازماً لأحكامها ، وتسمّى : عقود ضمان ، ويكون المال المقبوض فيها مضموناً على القابض بأيّ سبب هلك ، كعقد البيع ، والقسمة ، والصّلح عن مال بمال، والمخارجة ، والقرض ، وكعقد الزّواج ، والمخالعة .

    ثالثاً : وهناك عقود يتجلّى فيها طابع الحفظ والأمانة ، والرّبح في بعض الأحيان ، وتسمّى عقود أمانة ، ويكون المال المقبوض فيها أمانةً في يد القابض ، لا يضمنه إلاّ إذا تلف بسبب تقصيره في حفظه ، كعقد الإيداع ، والعاريّة ، والشّركة بأنواعها ، والوكالة ، والوصاية .

    رابعاً : وهناك عقود ذات وجهين ، تنشئ الضّمان من وجه ، والأمانة من وجه ، وتسمّى لهذا : عقود مزدوجة الأثر ، كعقد الإجارة ، والرّهن والصّلح عن مال بمنفعة .

    ومناط التّمييز - بوجه عامّ - بين عقود الضّمان ، وبين عقود الأمانة ، يدور مع المعاوضة : فكلّما كان في العقد معاوضة ، كان عقد ضمان ، وكلّما كان القصد من العقد غير المعاوضة ، كالحفظ ونحوه ، كان العقد عقد أمانة .

    ويستند هذا الضّابط المميّز ، إلى قول المرغينانيّ من الحنفيّة ، في تعليل كون يد أحد الشّركاء في مال الشّركة ، يد أمانة : لأنّه قبض المال بإذن المالك ، لا على وجه البدل والوثيقة ، فصار كالوديعة .

    وهذا يشير إلى أنّ القبض الّذي يستوجب الضّمان ، هو : ما كان بغير إذن المالك ، كالمغصوب ، وما كان بسبيل المبادلة ، أي المعاوضة ، أو ما كان بسبيل التّوثيق ، كالرّهن والكفالة .

    والرّهن - في الواقع - يؤوّل إلى المعاوضة ، لأنّه توثيق للبدل ، وكذا الكفالة ، فكان المعوّل عليه في ضمان العقود ، هو المبادلة ، وفي غير العقود ، هو عدم الإذن ، وما المبادلة إلاّ المعاوضة ، فهي منشأ التّمييز ، بين عقود الضّمان ، وبين عقود الحفظ والأمانة.

    وبيان الضّمان في هذه العقود فيما يلي :

    أوّلاً : الضّمان في العقود الّتي شرعت للضّمان :

    الضّمان في عقد الكفالة :

    إذا صحّ الضّمان - أو الكفالة باستجماع شروطها - لزم الضّامن أداء ما ضمنه ، وكان للمضمون له - الدّائن - مطالبته ، ولا يعلم فيه خلاف ، وهو فائدة الضّمان ثمّ :

    إذا كانت الكفالة بأمر المدين ، وهو المكفول عنه ، رجع عليه الكفيل بما أدّى عنه بالاتّفاق - على ما يقول ابن جزيّ - في الجملة .

    أمّا إذا كانت الكفالة بغير إذن المكفول عنه ، ففي الرّجوع خلاف :

    فمذهب الحنفيّة عدم الرّجوع ، إذ اعتبر متبرّعاً في هذه الحال .

    والمالكيّة قرّروا الرّجوع في هذه الحال إن ثبت دفع الكفيل ببيّنة ، أو بإقرار صاحب الحقّ ، وعلّلوه بسقوط الدّين بذلك .

    والشّافعيّة فصّلوا ، وقالوا : إن أذن المكفول عنه ، في الضّمان والأداء فأدّى الكفيل ، رجع. وإن انتفى إذنه فيهما فلا رجوع .

    وإن أذن في الضّمان فقط ، ولم يأذن في الأداء ، رجع في الأصحّ ، لأنّه أذن في سبب الغرم.

    وإن أذن في الأداء فقط ، من غير ضمان ، لا يرجع في الأصحّ ، لأنّ الغرم في الضّمان ، ولم يأذن فيه .

    واعتبر الحنابلة نيّة الرّجوع عند قضاء الدّين عن المكفول عنه ، فقرّروا أنّه : إن قضى الضّامن الدّين متبرّعاً ، لا يرجع ، سواء أضمنه بإذنه أم بغير إذنه ، لأنّه متطوّع بذلك . وإن قضاه ناوياً الرّجوع ، يرجع لأنّه قضاه مبرئاً من دين واجب ، فكان له الرّجوع .

    ولو قضاه ذاهلاً عن قصد الرّجوع وعدمه ، لا يرجع ، لعدم قصد الرّجوع ، سواء أكان الضّمان أو الأداء بإذن المضمون عنه ، أم بغير إذن .

    ولهم تفصيل رباعيّ في نيّة الرّجوع يقرب من تفصيل الشّافعيّة .

    إذا مات الكفيل قبل حلول أجل الدّين ، ففي حلول الدّين ومطالبة الورثة به خلاف .

    ضمان الدّرك :

    قصر الحنفيّة ضمان الدّرك ، على ضمان الثّمن عند استحقاق المبيع ، وقالوا : هو الرّجوع بالثّمن عند استحقاق المبيع .

    والدّرك هو : المطالبة والتّبعة والمؤاخذة .

    ويقال له : ضمان العهدة عند الشّافعيّة والحنابلة .

    وعرّفوه بأنّه : ضمان الثّمن للمشتري ، إن ظهر المبيع مستحقّاً أو معيباً أو ناقصاً ، بعد قبض الثّمن وضمان الدّرك صحيح عند جماهير الفقهاء وذلك : .

    أ - لأنّ المضمون هو الماليّة عند تعذّر الرّدّ ، والمضمون - كما يقول العدويّ - في المعيب قيمة العيب ، وفي المستحقّ الثّمن ، وهو جائز بلا نزاع .

    ب - ولأنّ الضّمان هنا ، كفالة ، والكفالة لالتزام المطالبة ، والتزام الأفعال يصحّ مضافاً إلى المآل ، كما في التزام الصّوم والصّلاة بالنّذر .

    ج - وقال الحنابلة في تعليل جوازه : لأنّ الحاجة تدعو إلى الوثيقة ، وهي ثلاثة :

    الشّهادة والرّهن والضّمان ، فالأولى لا يستوفي منها الحقّ ، والثّانية ممنوعة ، لأنّه يلزم حبس الرّهن إلى أن يؤدّى ، وهو غير معلوم ، فيؤدّي إلى حبسه أبداً ، فلم يبق غير الضّمان .

    د - وقالوا : ولأنّه لو لم يصحّ لامتنعت المعاملات مع من لم يعرف ، وفيه ضرر عظيم ، رافع لأصل الحكمة ، الّتي شرع من أجلها البيع .

    ونصّ الحنفيّة على أنّ شرط ضمان الدّرك ثبوت الثّمن على البائع بالقضاء ، فلو استحقّ المبيع قبل القضاء على البائع بالثّمن ، لا يؤخذ ضامن الدّرك ، إذ بمجرّد الاستحقاق لا ينتقض البيع على الظّاهر ، إذ يعتبر البيع موقوفاً عند أبي حنيفة ، ولهذا لو أجاز المستحقّ البيع قبل الفسخ جاز ولو بعد قبضه ، وهو الصّحيح ، فما لم يقض بالثّمن على البائع لا يجب ردّ الثّمن على الأصيل ، فلا يجب على الكفيل .

    ونصّ الشّافعيّة على أنّه لا يصحّ قبل قبض الثّمن ، لأنّه إنّما يضمن ما دخل في ضمان البائع، وقيل : يصحّ قبل قبضه ، لأنّه قد تدعو الحاجة إليه ، بأن لا يسلّم الثّمن إلاّ بعده .

    ثانياً : العقود الّتي لم تشرع للضّمان ويترتّب عليها الضّمان :

    الضّمان في عقد البيع :

    ذهب جمهور الفقهاء ، إلى أنّ المبيع في البيع الصّحيح ، في ضمان البائع ، حتّى يقبضه المشتري ، مع رواية تفرقة الحنابلة بين المكيلات ، والموزونات ، ونحوها ، وبين غيرها .

    وذهب المالكيّة إلى أنّ الضّمان ينتقل إلى المشتري - كما يقول ابن جزيّ - بنفس العقد ، إلاّ في مواضع منها : ما بيع على الخيار ، وما بيع من الثّمار قبل كمال طيبه .

    وأهمّ ما يستوجب الضّمان في عقد البيع : هلاك المبيع ، وهلاك الثّمن ، واستحقاق المبيع ، وظهور عيب قديم فيه .

    ويلحق به : ضمان المقبوض على سوم الشّراء ، وضمان المقبوض على سوم النّظر ، وضمان الدّرك .

    وبيان ذلك ما يلي :

    هلاك المبيع :

    يفرّق في الحكم فيه ، تبعاً لأحوال هلاكه : هلاك كلّه ، وهلاك بعضه ، وهلاك نمائه ، وهلاكه في البيع الصّحيح ، والفاسد ، والباطل ، وهلاكه وهو في يد البائع ، أو في يد المشتري .

    هلاك نماء المبيع :

    الأصل المقرّر عند الحنفيّة أنّ زوائد المبيع مبيعة - كما يقول الكاسانيّ - إلاّ إذا كانت منفصلةً غير متولّدة من الأصل ، كغلّة المباني والعقارات ، فإنّها إمّا أن تحدث في المبيع قبل قبضه أو بعده :

    أ - فقبل القبض ، إذا أتلف البائع الزّيادة يضمنها ، فتسقط حصّتها من الثّمن عن المشتري، كما لو أتلف جزءاً من المبيع ، وكما لو أتلفها أجنبيّ .

    وإذا هلكت بآفة سماويّة ، كما لو هلك الثّمر ، فلا تضمن ، لأنّها كالأوصاف ، لا يقابلها شيء من الثّمن ، وإنّها وإن كانت مبيعةً ، لكنّها مبيعة تبعاً لا قصداً .

    ب - أمّا لو هلكت بعد أن قبضها المشتري ، أو أتلفها هو ، فهي غير مضمونة بقبضه ، ولها حصّتها من الثّمن ، فيقسم الثّمن على قيمة الأصل يوم العقد وعلى قيمة الزّيادة يوم القبض .

    ولو أتلفها أجنبيّ ، ضمنها بلا خلاف ، لكن المشتري بالخيار : إن شاء فسخ العقد ، ويرجع البائع على الجاني بضمان الجناية ، وإن شاء اختار البيع ، واتّبع الجاني بالضّمان ، وعليه جميع الثّمن كما لو أتلف الأصل .

    الضّمان في البيع الباطل :

    جمهور الفقهاء لا يفرّقون في قواعدهم العامّة بين البيع الباطل ، والبيع الفاسد والحنفيّة هم الّذين فرّقوا بينهما .

    والبيع الباطل لا يثبت الملك أصلاً ، ولا حكم لهذا البيع ، لأنّ الحكم للموجود ، ولا وجود لهذا البيع إلاّ من حيث الصّورة .

    ضمان البيع الفاسد :

    كلّ بيع فاته شرط من شروط الصّحّة فهو فاسد كأن كان في المبيع جهالة ، كبيع شاة من قطيع ، أو غرر كبيع بقرة على أنّها تحلب كذا في اليوم ، أو كان منهيّاً عنه ، كبيع الطّعام قبل قبضه ، وبيع العينة .

    ومع الاتّفاق على وجوب فسخه ، وخبث الرّبح النّاشئ عنه ، فقد اختلف في ضمان المبيع فيه بعد قبضه ، وملكه :

    ومذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّه وإن كان لا يملك بالقبض ، ولا ينفذ التّصرّف فيه ببيع ولا هبة ، لكنّه يضمن ضمان الغصب ، وعليه مؤنة ردّه كالمغصوب ، وإن نقص ضمن نقصانه، وزوائده مضمونة ، وفي تعيّبه أرش النّقص ، وفي تلفه وإتلافه الضّمان .

    وعلّله ابن قدامة بأنّه مضمون بعقد فاسد ، فلم يملكه ، كالميتة ، فكان مضموناً في جملته ، فأجزاؤه مضمونة أيضاً .

    ومذهب الحنفيّة أنّ البيع الفاسد يفيد الملك إذا اتّصل به القبض ، ولم يكن فيه خيار شرط لحديث بريرة المعروف ، ولصدور العقد من أهله ووقوعه في محلّه ، لكنّه ملك خبيث حرام لمكان النّهي ، وهذا هو الصّحيح ، المختار عندهم .

    ويكون مضموناً في يد المشتري ، ويلزمه مثله إن كان مثليّاً ، وقيمته إن كان قيميّاً ، بعد هلاكه أو تعذّر ردّه .

    ومذهب المالكيّة أنّ المشتري إذا قبض المبيع في البيع الفاسد ، دخل في ضمانه ، لأنّه لم يقبضه على جهة الأمانة ، وإنّما قبضه على جهة التّمليك ، بحسب زعمه ، وإن لم ينتقل إليه الملك بحسب الأمر نفسه .

    ونصّ الآبيّ على أنّ ملك الفاسد لا ينتقل إلى المشتري بقبضه ، بل لا بدّ من فواته - سواء أنقد الثّمن أم لا - قال ابن الحاجب : لا ينتقل الملك فيه إلاّ بالقبض والفوات .

    والفوات - كما يقول ابن جزيّ - يكون بخمسة أشياء ، ذكر منها تغيّر الذّات والتّعيّب وتعلّق حقّ الآخرين

    وفي وقت تقدير قيمة المبيع بيعاً فاسداً خلاف بين الفقهاء :

    فعند جمهور الحنفيّة والمالكيّة ، تجب القيمة يوم القبض ، وذلك لأنّ به يدخل في ضمانه ، لا من يوم العقد لأنّ ما يضمن يوم العقد هو العقد الصّحيح .

    وذهب الحنابلة وهو وجه عند الشّافعيّة وقول محمّد من الحنفيّة : أنّه تعتبر قيمته يوم الإتلاف أو الهلاك ، لأنّ بهما يتقرّر الضّمان كما يقول محمّد .

    وعلّله الحنابلة بأنّه قبضه بإذن مالكه فأشبه العاريّة وهي مضمونة عندهم .

    والمذهب عند الشّافعيّة اعتبار أقصى القيمة ، في المتقوّم ، من وقت القبض إلى وقت التّلف.

    وهذا - أيضاً - وجه ذكره الحنابلة في الغصب ، وهو هاهنا كذلك ، كما يقول المقدسيّ . ولو نقص المبيع بيعاً فاسداً ، وهو في يد المشتري ، فالاتّفاق على أنّ النّقص مضمون عليه ، وذلك :

    أ - للتّعيّب .

    ب - ولأنّ جملة المبيع مضمونة ، فتكون أجزاؤها مضمونةً أيضاً .

    ولو زاد المبيع بيعاً فاسداً بعد قبضه ، زيادةً منفصلةً كالولد والثّمرة ، أو متّصلةً كالسّمن ، فهو مضمون على المشتري - كزوائد المغصوب - كما قال النّوويّ .

    وعدم ضمان الزّيادة هو - أيضاً - وجه شاذّ عند الشّافعيّة ، ذكره النّوويّ .

    والحنابلة قالوا : إذا تلفت العين بعد الزّيادة ، أسقطت الزّيادة من القيمة ، وضمنها بما بقي من القيمة حين التّلف .

    وذكر المقدسيّ فيه احتمالين :

    أ - أحدهما : الضّمان ، لأنّها زيادة في عين مضمونة ، فأشبهت الزّيادة في المغصوب .

    ب - والآخر : عدم الضّمان ، لأنّه دخل على أن لا يكون في مقابلة الزّيادة عوض ، فعلى هذا تكون الزّيادة أمانةً في يده : إن هلكت بتفريطه أو عدوانه ، ضمنها ، وإلاّ فلا . والحنفيّة قرّروا أنّ الزّيادة أربعة أنواع :

    أ - الزّيادة المنفصلة المتولّدة من الأصل ، كالولد ، فهذه يضمنها بالاستهلاك لا بالهلاك .

    ب - الزّيادة المنفصلة غير المتولّدة من الأصل ، كالكسب ، لا تضمن بالاستهلاك ، عند الإمام ، وعند صاحبيه تضمن بالاستهلاك ، لا بالهلاك ، كالمنفصلة المتولّدة .

    ح - الزّيادة المتّصلة المتولّدة من الأصل ، كالسّمن ، يضمنها بالاستهلاك لا بالهلاك .

    د - الزّيادة المتّصلة غير المتولّدة من الأصل ، كالصّبغ والخياطة ، - فإنّها ملك المشتري ، وهلاكها أو استهلاكها من حسابه - وإنّما الخلاف في هذه من حيث الفسخ :

    فعند الإمام يمتنع الفسخ فيها ، وتلزم المشتري قيمتها .

    وعندهما : ينقضها البائع ، ويستردّ المبيع .

    وما سواها لا يمنع الفسخ .

    ولو هلك المبيع فقط ، دون الزّيادة المنفصلة ، فللبائع أخذ الزّيادة ، وأخذ قيمة المبيع يوم القبض .

    ولو هلك المبيع فقط ، دون الزّيادة المنفصلة ، غير المتولّدة ، كالكسب ، فللبائع أخذها مع تضمين المبيع ، لكن لا تطيب له ، ويتصدّق بها .

    إذا استغلّ المشتري المبيع بيعاً فاسداً ، بعد أن قبضه لا يردّ غلّته ، لأنّ ضمانه منه و" الخراج بالضّمان " .

    والخراج هو : الغلّة الحاصلة من المبيع ، كأجرة الدّابّة ، وكلّ ما خرج من شيء فهو خراجه ، فخراج الشّجر ثمره ، وخراج الحيوان درّه ونسله .

    وإذا أنفق عليه لا يرجع على بائعه بنفقته ، لأنّ من له الغلّة عليه النّفقة ، فإن لم يكن له غلّة ، فله الرّجوع بالنّفقة .

    وإذا أحدث فيه ، ما له عين قائمة ، كبناء وصبغ ، رجع بذلك على البائع ، مع كون الغلّة له، كسكناه ولبسه .

    والزّيادة المنفصلة ، غير المتولّدة من الأصل ، كالكسب ، لا تضمن بالاستهلاك عند أبي حنيفة ، فهو كمذهب المالكيّة ، لحديث : » الخراج بالضّمان « .

    وعند الصّاحبين تضمن بالاستهلاك لا بالهلاك .

    ومذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّ غلات المبيع بيعاً فاسداً مضمونة على كلّ حال ، كمنافع المغصوب .

    ونصّ الشّافعيّة على أنّه تلزمه أجرة المثل ، للمدّة الّتي كان في يده ، وذلك للمنفعة ، وإن لم يستوفها ، وكذلك نصّوا على أنّه متى حكم بأنّه غاصب للدّار أو لبعضها ضمن الأجرة . ونصّ المقدسيّ على أنّ أجرة مثل المبيع بيعاً فاسداً مدّة بقائه في يده تجب على المشتري وعليه ردّها .

    ضمان المقبوض على سوم الشّراء :

    المقبوض على سوم الشّراء : هو أن يقبض المساوم المبيع ، بعد معرفة الثّمن ، وبعد الشّراء ، فيقول للبائع : هاته ، فإن رضيته اشتريته .

    ولا بدّ فيه عند الحنفيّة من توافر شرطين :

    أ - أن يكون الثّمن مسمّىً في العقد ، من البائع أو المشتري .

    ب - وأن يكون القبض بقصد الشّراء ، لا لمجرّد النّظر .

    ويضمنه القابض في هذه الحال ، إذا هلك في يده ، بالقيمة بالغةً ما بلغت يوم القبض ، كما في البيع الفاسد ، خلافاً للطّرسوسيّ الّذي ذهب إلى أنّه ينبغي أن لا يزاد بها على المسمّى ، كما في الإجارة الفاسدة .

    أمّا لو استهلكه فيجب فيه الثّمن لا القيمة ، لأنّه بالاستهلاك يعتبر راضياً بإمضاء العقد بثمنه.

    وقال القليوبيّ من الشّافعيّة : المأخوذ بالسّوم مضمون كلّه إن أخذه لشراء كلّه ، وإلاّ فقدر ما يريد شراءه .

    وفي كشّاف القناع : المقبوض على وجه السّوم مضمون إذا تلف مطلقاً ، لأنّه مقبوض على وجه البدل والعوض .

    أمّا المقبوض على سوم النّظر ، فهو أن يقول المساوم : هاته حتّى أنظر إليه ، أو حتّى أريه غيري ، ولا يقول : فإن رضيته أخذته فهذا غير مضمون مطلقاً بل هو أمانة ، ذكر الثّمن أو لا ، ويضمن بالاستهلاك .

    والفرق بينهما - كما حرّره ابن عابدين - :

    أ - أنّ المقبوض على سوم الشّراء لا بدّ فيه من ذكر الثّمن ، أمّا الآخر فلا يذكر فيه ثمن .

    ب - وأنّه لا بدّ أن يقول المشتري : إن رضيته أخذته . فلو قال : حتّى أراه لم يكن مقبوضاً على سوم الشّراء ، وإن صرّح البائع بالثّمن .

    وعند الحنابلة إن أخذ إنسان شيئاً بإذن ربّه ليريه الآخذ أهله فإن رضوه أخذه وإلاّ ردّه من غير مساومة ولا قطع ثمن فلا يضمنه إذا تلف بغير تفريط .

    الضّمان في عقد القسمة :

    تشتمل القسمة على الإفراز والمبادلة .

    والإفراز : أخذ الشّريك عين حقّه ، وهو ظاهر في المثليّات .

    والمبادلة : أخذه عوض حقّه ، وهو ظاهر في غير المثليّات .

    ولوجود وصف المبادلة فيها ، كانت عقد ضمان .

    ويد كلّ شريك على المشترك قبل القسمة ، يد أمانة ، وبعدها يد ضمان .

    وإذا قبض كلّ شريك نصيبه بعد القسمة ، ملكه ملكاً مستقلاً ، يخوّله حقّ التّصرّف المطلق فيه ، وإذا هلك في يده هلك من ضمانه هو فقط .

    الضّمان في عقد الصّلح عن المال بمال :

    يعتبر هذا النّوع من الصّلح بمثابة البيع ، لأنّه مبادلة كالبيع ، ولهذا قال الكاسانيّ : الأصل أنّ كلّ ما يجوز بيعه وشراؤه ، يجوز الصّلح عليه وما لا فلا .

    وقال المالكيّة : الصّلح على غير المدّعى - به - بيع ، فتشترط فيه شروط البيع والبيع أبرز عقود الضّمان ، فكذلك الصّلح عن المال بمال .

    فإذا قبض المصالح عليه ، وهو بدل الصّلح ، وهلك في يد المصالح ، هلك من ضمانه ، كما لو هلك المبيع بعد قبضه في عقد البيع ، في يد المشتري .

    الضّمان في عقد التّخارج :

    التّخارج : اصطلاح الورثة على إخراج بعضهم من التّركة ، بشيء معلوم .

    ويعتبر بمثابة تنازل أحد الورثة عن نصيبه من التّركة ، في مقابل ما يتسلّمه من المال ، عقاراً كان أو عروضاً أو نقوداً ، فيمكن اعتباره بيعاً ، فإذا قبض المخرج من التّركة بدل المخارجة أخذ حكم المبيع بعد قبضه ، تملّكاً وتصرّفاً واستحقاقاً ، فإذا هلك هلك من حسابه الخاصّ ، كالمبيع إذا هلك في يد المشتري بعد قبضه ، وهذا لأنّه أمكن اعتباره بيعاً ، فكان مضموناً كضمان المبيع .

    الضّمان في عقد القرض :

    يشبه القرض العاريّة في الابتداء ، لما فيه من الصّلة ، والمعاوضة في الانتهاء ، لوجود ردّ المثل ، لكنّه ليس بتبرّع محض ، لمكان العوض ، وليس جارياً على حقيقة المعاوضات ، بدليل الرّجوع فيه ما دام باقياً

    ويملك القرض بالقبض ، كالموهوب - عند الجمهور - لأنّه لا يتمّ التّبرّع إلاّ بالقبض . وعند المالكيّة ، وفي قول للشّافعيّة ، بالتّصرّف والعقد .

    فإذا قبضه المقترض ، ضمنه ، كلّما هلك ، بآفة أو تعدّ منه أو من غيره ، كالمبيع والموهوب بعد القبض ، لأنّ قبضه قبض ضمان ، لا قبض حفظ وأمانة كقبض العاريّة .

    ونصّ الحنفيّة على أنّ المقبوض بقرض فاسد كالمقبوض ، ببيع فاسد ، سواء ، فإذا هلك ضمنه المقترض فيحرم الانتفاع به ، لكن يصحّ بيعه ، لثبوت الملك ، وإن كان البيع لا يحلّ ، لأنّ الفاسد يجب فسخه ، والبيع مانع من الفسخ ، فلا يحلّ ، كما لا تحلّ سائر التّصرّفات المانعة من الفسخ .

    والقرض الفاسد يملك بقبضه ، ويضمن بمثله أو قيمته ، كبيع فسد .

    ولو أقرض صبيّاً ، فهلك القرض في يده ، لا يضمن بالاتّفاق ، عند الحنفيّة ، لأنّه سلّطه عليه .

    أمّا لو استهلكه الصّبيّ ، فالحكم كذلك عند أبي حنيفة ومحمّد ، وعند أبي يوسف يضمن بالتّعمّد والاستهلاك . قال في الخانيّة : وهو الصّحيح .

    وهذا إذا كان الصّبيّ غير مأذون له بالبيع فإن كان مأذوناً له بالبيع ، كان كالبائع ، يضمن القرض ، بالهلاك والاستهلاك .

    الضّمان في عقد الزّواج :

    لا بدّ من المهر في عقد الزّواج ، فيجري فيه الضّمان .

    فإن كان المهر ديناً ، ثبت في الذّمّة .

    وإن كان عيناً معيّنةً ، فإنّ الزّوجة تملكها بمجرّد العقد ، ويجب على الزّوج أن يسلّمها العين، ولو لم تتسلّمها بقيت في ضمان الزّوج ما دامت في يده ، عيناً مضمونةً بنفسها ، لأنّها غير مقابلة بمال ، فإذا هلكت قبل تسليمها إلى الزّوجة : فالحنفيّة يرون أنّ المضمون في هذه الحال ، هو قيمة العين أو مثلها ، كسائر الأعيان المضمونة بنفسها ، كالمغصوب ، والمبيع بيعاً فاسداً ، وبدل الصّلح عن دم ، والمقبوض على سوم الشّراء . ولا يبطل الزّواج بهلاك بدل المهر .

    والمنصوص عند الشّافعيّة ، أنّه لو أصدق عيناً ، فهي من ضمانه قبل قبضها ، ضمان عقد، لا ضمان يد ، ولو تلفت في يده أو أتلفها هو ، وجب لها مهر مثلها ، لانفساخ عقد الصّداق بالتّلف .

    وكذلك الخلع ، ويجري فيه الضّمان ، فلو خالعته على عين معيّنة ، وهلكت العين قبل الدّفع إلى الزّوج : فمذهب الحنفيّة : أنّ عليها مثلها أو قيمتها .

    قال الحصكفيّ : ولو هلك بدله - يعني بدل الخلع - في يدها ، قبل الدّفع ، أو استحقّ ، فعليها قيمته لو البدل قيميّاً ، ومثله لو مثليّاً ، لأنّ الخلع لا يقبل الفسخ .

    ومذهب الشّافعيّة أنّ عليها مهر مثلها .

  3. #3
    رقم العضوية : 3562
    المشاركات : 4,030
    التقييم : 10


    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء الثالث
    ثالثاً : الضّمان في عقود الأمانة :
    ضمان الوديعة :

    تعتبر الوديعة من عقود الأمانة ، وهي أمانة في يد المودع - أو الوديع - فهو أمين غير ضامن لما يصيب الوديعة ، من تلف جزئيّ أو كلّيّ ، إلاّ أن يحدث التّلف بتعدّيه أو تقصيره أو إهماله .

    وهذا الحكم متّفق عليه بين الفقهاء ويشهد له ما روي عن عبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال » ليس على المستعير غير المغلّ ضمان ولا على المستودع غير المغلّ ضمان «

    والمغلّ هو : الخائن ، في المغنم وغيره .

    وما روي - أيضاً - عن عبد اللّه بن عمرو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » من أودع وديعةً فلا ضمان عليه « .

    ومن أسباب الضّمان في الوديعة التّعدّي أو التّقصير أو الإهمال .

    ضمان العاريّة :

    مشهور مذهب الشّافعيّ ، ومذهب أحمد ، وأحد قولي مالك - كما نصّ ابن رشد - وقول أشهب من المالكيّة ، أنّ العاريّة مضمونة ، سواء أتلفت بآفة سماويّة ، أم تلفت بفعل المستعير ، بتقصير أو بغير تقصير وهو مرويّ عن ابن عبّاس وأبي هريرة ، وإليه ذهب عطاء وإسحاق ، واستدلّوا : بحديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان بن أميّة أدرعاً ، يوم حنين ، فقال : أغصباً يا محمّد ؟ قال : بل عاريّة مضمونة « وفي رواية : » فقال : يا رسول اللّه ، أعاريّة مؤدّاة ، قال : نعم عاريّة مؤدّاة « .

    وحديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه ، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « .

    ولأنّه أخذ ملك غيره ، لنفع نفسه ، منفرداً بنفعه ، من غير استحقاق ولا إذن ، فكان مضموناً ، كالغاصب ، والمأخوذ على وجه السّوم .

    ومذهب الحنفيّة ، وهو قول ضعيف عند الشّافعيّة أنّ العاريّة أمانة عند المستعير ، فلا تضمن إذا هلكت من غير تعدّ ولا تقصير وذلك لحديث : » ليس على المستعير غير المغلّ ضمان « .

    ولأنّ عقد العاريّة تمليك أو إباحة للمنفعة ، ولا تعرّض فيه للعين ، وليس في قبضها تعدّ ، لأنّه مأذون فيه ، فانتفى سبب وجوب الضّمان .

    وإنّما يتغيّر حال العاريّة من الأمانة إلى الضّمان ، بما يتغيّر به حال الوديعة .

    وذهب المالكيّة إلى تضمين المستعير ما يغاب عليه من العاريّة ، وهو : ما يمكن إخفاؤه كالثّياب والحليّ والكتب ، إلاّ أن تقوم البيّنة على هلاكها أو ضياعها بلا سبب منه فلا يضمن حينئذ ، خلافاً لأشهب القائل : إنّ ضمان العواريّ ضمان عداء ، لا ينتفي بإقامة البيّنة كما ذهبوا إلى عدم تضمينه ما لا يغاب عليه ، كالحيوان والعقار ، فلا يضمنه المستعير ، ولو شرط عليه المعير الضّمان ، ولو كان لأمر خافه ، من طريق مخوف أو لصوص على المعتمد كما قرّره الدّسوقيّ .

    أمّا لو شرط المستعير نفي الضّمان عن نفسه ، فيما يغاب عليه ، فلهم فيه قولان :

    أحدهما : أنّه لا عبرة بالشّروط ، ويضمن ، لأنّ الشّرط يزيده تهمةً ، ولأنّه من إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، فلا يعتبر .

    الآخر : أنّه يعتبر الشّرط ، ولا يضمن ، لأنّه معروف من وجهين : فالعاريّة معروف ، وإسقاط الضّمان معروف آخر ، ولأنّ المؤمنين عند شروطهم كما جاء في الحديث : » المسلمون عند شروطهم « .

    الضّمان في الشّركة :

    الشّركة قسمان - كما يقول الحنابلة - شركة أملاك وشركة عقد .

    فالأولى يعتبر فيها كلّ من الشّركاء ، كأنّه أجنبيّ في حقّ صاحبه ، فلا يجوز له التّصرّف فيه بغير إذنه ، فإن فعل ضمن .

    والثّانية شركة أموال ، والفقهاء متّفقون على أنّ يد أحد الشّركاء في مال الشّركة ، يد أمانة، وذلك لأنّه قبضه بإذن صاحبه ، لا على وجه المبادلة ، كالمقبوض على سوم الشّراء، ولا على وجه الوثيقة كالرّهن .

    فإن قصّر في شيء أو تعدّى ، فهو ضامن .

    وكذلك كلّ ما كان إتلافاً للمال ، أو كان تمليكاً للمال بغير عوض ، لأنّ الشّركة - كما يقول الحصكفيّ - وضعت للاسترباح وتوابعه ، وما ليس كذلك لا ينتظمه عقدها ، فيكون مضموناً.

    وكذا إذا مات مجهلاً نصيب صاحبه ، إذا كان مال الشّركة ديوناً على النّاس ، فإنّه يضمن ، كما يضمن لو مات مجهلاً عين مال الشّركة الّذي في يده ، وكذا بقيّة الأمانات ، إلاّ إذا كان يعلم أنّ وارثه يعلم ذلك ، فلا يضمن .

    ولو هلك شيء من أموال الشّركة في يده من غير تعدّ ولا تفريط ، لا يضمنه لأنّه أمين .

    أمّا لو هلك مال الشّريكين ، أو مال أحدهما قبل التّصرّف فتبطل الشّركة ، لأنّ المال هو المعقود عليه فيها .

    الضّمان في عقد المضاربة :

    يعتبر المضارب أميناً في مال المضاربة وأعيانها ، لأنّه متصرّف فيه بإذن مالكه ، على وجه لا يختصّ بنفعه ، فكان أميناً ، كالوكيل ، وفارق المستعير ، لأنّه يختصّ بنفع العاريّة .

    وهذا ما لم يخالف ما قيّده به ربّ المال ، فيصبح عندئذ غاصباً .

    ومع اختلاف الفقهاء في جواز تقييد المضارب ببعض القيود ، لأنّه مفيد ، كما يقول الكاسانيّ ، وفي عدم الجواز لما فيه من التّحجير الخارج عن سنّة القراض كما يقول الدّردير، كالاتّجار بالدّين ، والإيداع ، لكن هناك قيوداً ، لا تجوز له مخالفتها ، منها :

    أ - السّفر إذا لم يأذن به ربّ المال ، وهذا لما فيه من الخطر ، والتّعريض للتّلف ، فلو سافر بالمال بغير إذنه ، ضمنه .

    ب - إذا قيّده بأن لا يسافر ببحر ، أو يبتاع سلعةً عيّنها له ، فخالفه ، ضمن .

    ج - وإذا دفع مال المضاربة قراضاً - أي ضارب فيه - بغير إذن ، ضمن لأنّ الشّيء لا يتضمّن مثله إلاّ بالتّنصيص عليه ، أو التّفويض إليه .

    ضمان المضارب في غير المخالفات العقديّة :

    المضارب وإن كان أميناً ، لكنّه يضمن - في غير المخالفات العقديّة - فيما يلي :

    أ - إذا باع بأقلّ من ثمن المثل ، أو اشترى بأكثر منه ، ممّا لا يتغابن فيه النّاس ، ضمن .

    ب - إذا تصدّق بشيء من مال القراض ، أو أنفق من مال المضاربة في الحضر ، على نفسه أو على من يموّله ، ضمن ، لأنّ النّفقة جزاء الاحتباس ، فإذا كان في مصره لا يكون محتبساً .

    أمّا لو أنفق في السّفر ، ففيه خلاف وأوجه وشروط في انتفاء ضمانه .

    ج - إذا هلك مال المضاربة في يده ، بسبب تعدّيه أو تقصيره أو تفريطه ، فإنّه يضمنه ، وإلاّ فالخسران والضّياع على ربّ المال ، دون العامل ، لأنّه أمين ، كالوديع .

    ولو هلك في يده من غير تفريط ، لا يضمنه ، لأنّه متصرّف فيه بإذن مالكه ، على وجه لا يختصّ بنفعه .

    د - إذا أتلف العامل مال القراض - المضاربة - ضمنه ، ووجب عليه بدله ، لكن يرتفع القراض ، لأنّه وإن وجب عليه بدله ، لكن لا يدخل في ملك المالك إلاّ بالقبض ، فيحتاج إلى استئناف القراض .

    الضّمان في عقد الوكالة :

    الوكيل أمين وذلك لأنّه نائب عن الموكّل ، في اليد والتّصرّف ، فكانت يده كيده ، والهلاك في يده كالهلاك في يد المالك ، كالوديع .

    ولأنّ الوكالة عقد إنفاق ومعونة ، والضّمان مناف لذلك .

    وعلى هذا لا يضمن الوكيل ما تلف في يده بلا تعدّ ، وإن تعدّى ضمن ، وكلّ ما يتعدّى فيه الوكيل مضمون عند من يرى أنّه تعدّى - كما يذكر ابن رشد - .

    الوكيل بالشّراء يتقيّد شراؤه بمثل القيمة وغبن يسير - وهو ما يدخل تحت تقويم المقوّمين - إذا لم يكن سعره معروفاً ، فإن كان سعره معروفاً ، لا ينفذ على الموكّل وإن قلّت الزّيادة ، " فيضمنها الوكيل " وهذا لأنّ التّهمة في الأكثر متحقّقة ، فلعلّه اشتراه لنفسه فإذا لم يوافقه ألحقه بغيره .

    والوكيل بالبيع ، إذا كانت الوكالة مطلقةً ، لا يجوز بيعه ، إلاّ بمثل القيمة ، عند الصّاحبين ومالك والشّافعيّ ولا يجوز بيعه بنقصان لا يتغابن النّاس في مثله ، ولا بأقلّ ممّا قدّره له الموكّل ، فلو باع كذلك كان ضامناً ، ويتقيّد مطلق الوكالة بالمتعارف .

    وممّا يضمنه الوكيل قبض الدّين ، وهو وكيل بالخصومة .

    والوكيل بالخصومة لا يملك القبض ، لأنّ الخصومة غير القبض حقيقةً ، وهي لإظهار الحقّ.

    ويعتبر قبض الوكيل بالخصومة للدّين تعدّياً ، فيضمنه إن هلك في يده ، لأنّ كلّ ما يعتدي فيه الوكيل ، يضمنه عند من يرى أنّه تعدّى ، وهذا عند جمهور الفقهاء وهو المفتى به عند الحنفيّة .

    وهناك أحكام تتعلّق بالضّمان في عقد الوكالة منها :

    1 - إذا اشترى الوكيل شيئاً ، وأخّر تسليم الثّمن لغير عذر ، فهلك في يده ، فهو ضامن له، لأنّه مفرّط في إمساكه .

    2 - إذا قبض ثمن المبيع ، فهو أمانة في يده ، فإن طلبه الموكّل ، فأخّر ردّه مع إمكانه فتلف ، ضمنه .

    3 - إذا دفع الوكيل ديناً عن الموكّل ، ولم يشهد ، فأنكر الّذي له الدّين القبض ، ضمن الوكيل لتفريطه بعدم الإشهاد .

    وقيّده الحنفيّة بأن يكون الموكّل قال له : لا تدفع إلاّ بشهود ، فدفع بغير شهود .

    4 - إذا سلّم الوكيل المبيع قبل قبض ثمنه ، ضمن قيمته للموكّل .

    وكذا إذا وكّله بشراء شيء ، أو قبض مبيع ، فإنّه لا يسلّم الثّمن حتّى يتسلّم المبيع .

    فلو سلّم الثّمن قبل تسلّم المبيع ، وهلك المبيع قبل تسلّمه ضمنه للموكّل ، إلاّ بعذر .

    للوكيل بالشّراء نسيئةً أن يحبس المبيع لاستيفاء الثّمن ، عند الحنفيّة ثمّ :

    أ - إن هلك قبل الحبس ، يهلك على الموكّل ، ولا يضمن الوكيل .

    ب - وإن هلك بعد الحبس ففيه تفصيل :

    أ - يهلك بالثّمن ، هلاك المبيع ، ويسقط الثّمن عن الموكّل في قول أبي حنيفة .

    ب - ويهلك بأقلّ من قيمته ومن الثّمن ، عند أبي يوسف ، حتّى لو كان الثّمن أكثر من قيمته رجع الوكيل بذلك الفضل على موكّله .

    ج - وقال : زفر يهلك على الوكيل هلاك المغصوب ، لأنّ الوكيل عنده لا يملك الحبس من الموكّل ، فيصير غاصباً بالحبس .

    واشترط الشّافعيّة على الوكيل إذا باع إلى أجل ، أن يشهد ، وإلاّ ضمن . وتردّدت النّقول ، في أنّ عدم الإشهاد ، شرط صحّة أو شرط للضّمان .

    ونقل الجمل أنّه إن سكت الموكّل عن الإشهاد ، أو قال : بع وأشهد ، ففي الصّورتين يصحّ البيع ، ولكن يجب على الوكيل الضّمان .

    ضمان الوصيّ في عقد الوصاية - أو الإيصاء - :

    الإيصاء : تفويض الشّخص التّصرّف في ماله ، ومصالح أطفاله ، إلى غيره ، بعد موته .

    ويعتبر الوصيّ نائباً عن الموصي ، وتصرّفاته نافذة ، ويده على مال المتوفّى يد أمانة ، فلا يضمن ما تلف من المال بدون تعدّ أو تقصير ، ويضمن في الأحوال التّالية :

    أ - إذا باع أو اشترى بغبن فاحش ، وهو : الّذي لا يدخل تحت تقويم المتقوّمين ، لأنّ ولايته للنّظر ، ولا نظر في الغبن الفاحش .

    ب - كما يضمن الوصيّ إذا دفع المال إلى اليتيم بعد الإدراك ، قبل ظهور رشده ، لأنّه دفعه إلى من ليس له دفعه إليه ، وهذا مذهب الصّاحبين .

    وقال الإمام : بعدم الضّمان ، إذا دفعه إليه بعد خمس وعشرين سنةً ، لأنّ له ولاية الدّفع إليه حينئذ .

    ج - ليس للوليّ الاتّجار في مال اليتيم لنفسه ، فإن فعل : فعند أبي حنيفة ومحمّد يضمن رأس المال ، ويتصدّق بالرّبح .

    وعند أبي يوسف يسلّم له الرّبح ، ولا يتصدّق بشيء .

    الضّمان في عقد الهبة :

    لمّا كانت الهبة عقد تبرّع ، فقد ذهب الفقهاء إلى أنّ قبض الهبة هو قبض أمانة ، فإذا هلكت أو استهلكت لم تضمن ، لأنّه - كما يقول الكاسانيّ - لا سبيل إلى الرّجوع في الهالك ، ولا سبيل إلى الرّجوع في قيمته لأنّها ليست بموهوبة لانعدام ورود العقد عليها . وتضمن عند الحنفيّة في هاتين الحالين فقط :

    أ - حال ما إذا طلب الواهب ردّها - لأمر ما - وحكم القاضي بوجوب الرّدّ ، وامتنع الموهوب له من الرّدّ ، ثمّ هلكت بعد ذلك ، فإنّه يضمنها حينئذ ، لأنّ قبض الهبة قبض أمانة، والأمانة تضمن بالمنع والجحد بالطّلب ، لوجود التّعدّي منه .

    ب - حال ما إذا وهبه مشاعاً قابلاً للقسمة كالأرض الكبيرة ، والدّار الكبيرة ، فإنّها هبة صحيحة عند الجمهور ، لأنّها عقد تمليك ، والمحلّ قابل له ، فأشبهت البيع لكنّها فاسدة عند الحنفيّة ، لأنّ القبض شرط في الهبة ، وهو غير ممكن في المشاع ، ولا ينفذ تصرّف الموهوب له فيها ، وتكون مضمونةً عليه ، وينفذ تصرّف الواهب فيها .

    رابعاً : العقود المزدوجة الأثر :

    ضمان الإجارة :

    إذا كانت الإجارة : تمليك المنفعة بعوض ، فإنّ المنفعة ضربان :

    أ - فقد تكون المنفعة بمجرّدها هي المعقود عليها ، وتتحدّد بالمدّة ، كإجارة الدّور للسّكنى ، والحوانيت للتّجارة ، والسّيّارات للنّقل ، والأواني للاستعمال .

    ب - وقد تكون المنفعة المعقود عليها عملاً معلوماً يؤدّيه العامل ، كبناء الدّار ، وخياطة الثّوب ، وإصلاح الأجهزة الآليّة ، ونحو ذلك .

    ج - فإذا كانت المنفعة المعقود عليها ، وهي مجرّد السّكنى أو الرّكوب ، أو نحوهما ، يفرّق في الضّمان ، بين العين المأجورة ، وبين المنفعة المعقود عليها :

    أ - فتعتبر الدّار المأجورة ، والسّيّارة المستأجرة - مثلاً - أمانةً في يد المستأجر ، حتّى لو خربت الدّار ، أو عطبت السّيّارة ، وهي في يده ، بغير تفريط ولا تقصير ، لا ضمان عليه ، لأنّ قبض الإجارة - كما يقول الكاسانيّ - قبض مأذون فيه ، فلا يكون مضموناً ، كقبض الوديعة والعاريّة ، سواء أكانت الإجارة صحيحةً أم فاسدةً .

    ونصّ الشّافعيّة على أنّ يد المستأجر على العين المأجورة يد أمانة كذلك ، بعد انتهاء عقد الإجارة ، إذا لم يستعملها ، في الأصحّ ، استصحاباً لما كان ، كالمودع ، وفي قول ثان : يد ضمان .

    قال السّبكيّ : فإن تلفت عقب انقضاء المدّة ، قبل التّمكّن من الرّدّ على المالك ، أو إعلامه ، فلا ضمان جزماً ، أمّا إذا استعملها فإنّه يضمنها قطعاً .

    فلو شرط المؤجّر على المستأجر ضمان العين المأجورة ، فهو شرط فاسد ، لأنّه ينافي مقتضى العقد ، وفي فساد الإجارة فيه وجهان ، بناءً على الشّروط الفاسدة في البيع . وصرّح الحنفيّة بأنّ اشتراط الضّمان على الأمين باطل .

    وقال ابن قدامة : ما لا يجب ضمانه ، لا يصيّره الشّرط مضموناً ، وما يجب ضمانه ، لا ينتفي ضمانه بشرط نفيه .

    وروي عن أحمد ما يدلّ على نفي الضّمان بشرطه ، ووجوبه بشرطه ، استدلاّ بحديث : » المسلمون على شروطهم « .

    ب - أمّا المنفعة المعقود عليها ، وهي : السّكنى أو الرّكوب ، فهي مضمونة ، بضمان بدلها على المستأجر بمجرّد تمكّنه من استيفائها ، إذا كانت الإجارة صحيحةً ، بلا خلاف ، سواء انتفع بها المستأجر أم لم ينتفع وفيها : تلزم الأجرة في الإجارة الصّحيحة - أيضاً - بالاقتدار على استيفاء المنفعة ، مثلاً : لو استأجر أحد داراً بإجارة صحيحة ، فبعد قبضها يلزمه إعطاء الأجرة ، وإن لم يسكنها .

    أمّا إذا كانت الإجارة فاسدةً فقد اختلف في الضّمان الواجب فيها : فمذهب الجمهور ، وزفر من الحنفيّة ، وهو رواية عن الإمام أحمد - أشار إليها ابن رجب - أنّها كالصّحيحة ، وأنّه يجب في الضّمان أجر المثل ، بالغاً ما بلغ ، لأنّ المنافع متقوّمة ، فتجب القيمة بالغةً ما بلغت ، والإجارة بيع المنافع ، فتعتبر ببيع الأعيان ، وفي بيع الأعيان إذا فسد البيع تعتبر القيمة ، بالغةً ما بلغت ، فكذا بيع المنافع .

    والحنفيّة عدا زفر ، وهو الرّاوية الثّانية عن الإمام أحمد ، يرون التّفرقة بين الصّحيحة والفاسدة : ففي الصّحيحة : يضمن الأجرة المتّفق عليها ، مهما بلغت .

    أمّا في الفاسدة ، فضمان الأجرة منوط باستيفاء المنفعة ، ولا تجب الأجرة إلاّ بالانتفاع ، ويقول ابن رجب في توجيه هذه الرّواية : ولعلّها راجعة إلى أنّ المنافع لا تضمن في الغصب ونحوه ، إلاّ بالانتفاع ، وهو الأشبه .

    أمّا إذا كانت المنفعة المعقود عليها هي إنجاز عمل من الأعمال ، كالبناء والخياطة ونحوهما ، فإنّ الضّمان يختلف بحسب صفة العامل ، وهو الأجير في اصطلاحهم لأنّه إمّا أن يكون أجيراً خاصّاً ، أو مشتركاً أي عامّاً .

    والأجير الخاصّ هو الّذي يتقبّل العمل من واحد ، أو يعمل لواحد مدّةً معلومةً ، ويستحقّ الأجر بالوقت دون العمل .

    والأجير المشترك ، هو الّذي يتقبّل العمل من غير واحد ، ولا يستحقّ الأجر حتّى يعمل ، والضّابط : أنّ : كلّ من ينتهي عمله بانتهاء مدّة معلومة فهو أجير واحد - أي خاصّ - وكلّ من لا ينتهي عمله بانتهاء مدّة مقدّرة ، فهو أجير مشترك .

    ضمان الرّهن :

    اختلف الفقهاء في ضمان الرّهن ، إذا هلكت العين المرهونة عند المرتهن ، بعد قبضها وبعد تحقّق شروط الرّهن :

    فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الرّهن أمانة في يد المرتهن ، لا يلزمه ضمانه ، إلاّ إذا تعدّى فيه ، أو امتنع من ردّه بعد طلبه منه أو بعد البراءة من الدّين ، ولا يسقط بشيء من الدّين بهلاكه - أي الرّهن - من غير تعدّ ، وذلك : لما روى الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : » لا يغلق الرّهن من صاحبه الّذي رهنه ، له غنمه ، وعليه غرمه « .

    وذهب الحنفيّة إلى أنّ الرّهن إذا قبضه المرتهن ، كانت ماليّته مضمونةً ، أمّا عينه فأمانة ، وذلك : لما روي عن عطاء أنّه حدّث : » أنّ رجلاً رهن فرساً ، فنفق في يده ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للمرتهن : ذهب حقّك « .

    ولحديث عطاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » الرّهن بما فيه « ومعناه : أنّه مضمون بالدّين الّذي وضع في مقابله .

    وذهب المالكيّة إلى ضمان الرّهن بشروط :

    أ - أن يكون الرّهن في يد المرتهن ، لا في يد غيره ، كالعدل .

    ب - أن يكون الرّهن ممّا يغاب عليه ، أي يمكن إخفاؤه ، كالحليّ والسّلاح والكتب والثّياب.

    ج - أن لا تقوم بيّنة على هلاكه أو تلفه بغير سببه ، كالحريق الغالب ، وغارات الأعداء ، ومصادرة البغاة ، فإذا وجدت هذه الشّروط ، ضمن المرتهن ، ولو شرط في عقد الرّهن البراءة وعدم ضمانه ، لأنّ هذا إسقاط للشّيء قبل وجوبه ، والتّهمة موجودة ، خلافاً لأشهب ، القائل بعدم الضّمان عند الشّرط .

    وفي اعتبار قيمة الرّهن المضمون ، بعض الخلاف والتّفصيل :

    فنصّ الحنفيّة ، على أنّ قيمة المرهون إذا هلك ، تعتبر يوم القبض ، لأنّه يومئذ دخل في ضمانه ، وفيه يثبت الاستيفاء يداً ، ثمّ يتقرّر بالهلاك .

    أمّا إذا استهلكه المرتهن أو أجنبيّ ، فتعتبر قيمته يوم الاستهلاك ، لوروده على العين المودعة ، وتكون القيمة رهناً عنده .

    وللمالكيّة - في اعتبار قيمة الرّهن التّالف - ثلاثة أقوال ، كلّها مرويّة عن ابن القاسم : الأوّل : يوم التّلف لأنّ عين الرّهن كانت قائمةً ، فلمّا تلفت قامت قيمتها مقامها .

    الثّاني : يوم القبض ، لأنّه كشاهد ، وضع خطّه ومات ، فيعتبر خطّه ، وتعتبر عدالته يوم كتبه .

    الثّالث : يوم عقد الرّهن ، قال الباجيّ : وهو أقرب ، لأنّ النّاس إنّما يرهنون ما يساوي الدّين المرهون فيه غالباً .

    ضمان الرّهن الموضوع على يد العدل :

    يصحّ وضع الرّهن عند عدل ثالث ، غير الرّاهن والمرتهن ، ويتمّ ويلزم بقبض العدل، لأنّ يده كيد المرتهن

    ولا يأخذه أحدهما منه ، لأنّه تعلّق حقّ الرّاهن في الحفظ بيده ، وتعلّق حقّ المرتهن به استيفاءً ، فلا يملك أحدهما إبطال حقّ الآخر .

    ولو دفع الرّهن إلى أحدهما ضمن ، لتعلّق حقّهما به ، لأنّه مودع الرّاهن في حقّ العين ، ومودع المرتهن في حقّ الماليّة ، وكلاهما أجنبيّ عن صاحبه ، والمودع يضمن بالدّفع إلى الأجنبيّ .

    ولو هلك الرّهن في يد العدل :

    فعند الحنفيّة يهلك من ضمان المرتهن ، لأنّ يده في حقّ الماليّة يد المرتهن ، وهي المضمونة ، فإذا هلك ، هلك في ضمان المرتهن .

    ومذهب مالك : أنّه إذا هلك في يد الأمين ، هلك من ضمان الرّاهن .

    ونصّ المالكيّة : على أنّ الأمين إذا دفع الرّهن إلى الرّاهن أو المرتهن بغير إذن وتلف : فإن سلّمه إلى الرّاهن ، ضمن قيمته للمرتهن ، أو ضمن له الدّين المرهون هو فيه ، فيضمن أقلّهما .

    وإن سلّمه إلى المرتهن ، ضمن قيمة الرّهن للرّاهن .

    الضّمان في الصّلح عن مال بمنفعة :

    إذا وقع الصّلح عن مال بمنفعة ، كسكنى دار ، وركوب سيّارة ، مدّةً معلومةً ، اعتبر هذا الصّلح بمثابة عقد إجارة ، وعبارة التّنوير : وكإجارة إن وقع عن مال بمنفعة .

    كما لو كان لشخص على آخر ألف دينار ، فصالحه المدين على سكنى داره ، أو على زراعة أرضه ، أو ركوب سيّارته ، مدّةً معلومةً ، جاز هذا الصّلح .

    وتثبت لهذا النّوع من الصّلح شروط الإجارة ، منها التّوقيت - إن احتيج إليه - وتثبت فيه أحكامها - كما يقول النّوويّ - ومن أهمّها : اعتبار العين المتصالح على منفعتها ، كالدّار والسّيّارة ، أمانةً في يد المصالح ، أمّا المنفعة ذاتها فإنّها مضمونة على المصالح ، بمجرّد تسلّم العين ، فإذا مضت مدّة الصّلح المتّفق عليها ، اعتبر المصالح مستوفياً لبدل الصّلح حكماً ، سواء استوفى المنفعة فعلاً أو عطّلها ، كما تقرّر في العين المستأجرة في يد المستأجر في الإجارة .

  4. #4
    رقم العضوية : 3562
    المشاركات : 4,030
    التقييم : 10
    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء الرابع



    يد الأمانة ويد الضّمان :

    المشهور تقسيم اليد إلى قسمين : يد أمانة ، ويد ضمان .

    ويد الأمانة : حيازة الشّيء أو المال ، نيابةً لا تملّكاً ، كيد الوديع ، والمستعير ، والمستأجر، والشّريك ، والمضارب وناظر الوقف ، والوصيّ .

    ويد الضّمان : حيازة المال للتّملّك أو لمصلحة الحائز ، كيد المشتري والقابض على سوم الشّراء ، والمرتهن ، والغاصب والمالك ، والمقترض .

    وحكم يد الأمانة ، أنّ واضع اليد أمانةً ، لا يضمن ما هو تحت يده ، إلاّ بالتّعدّي أو التّقصير، كالوديع فإنّه إذا أودع الوديعة عند من لا يودع مثلها عند مثله يضمنها .

    وحكم يد الضّمان ، أنّ واضع اليد على المال ، على وجه التّملّك أو الانتفاع به لمصلحة نفسه ، يضمنه في كلّ حال ، حتّى لو هلك بآفة سماويّة ، أو عجز عن ردّه إلى صاحبه ، كما يضمنه بالتّلف والإتلاف .

    فالمالك ضامن لما يملكه وهو تحت يده ، فإذا انتقلت اليد إلى غيره بعقد البيع ، أو بإذنه ، كالمقبوض على سوم الشّراء ، أو بغير إذنه كالمغصوب ، فالضّمان في ذلك على ذي اليد . ولو انتقلت اليد إلى غيره ، بعقد وديعة أو عاريّة ، فالضّمان - أيضاً - على المالك .

    أهمّ الأحكام والفوارق بين هاتين اليدين :

    أ - تأثير السّبب السّماويّ :

    إذا هلك الشّيء بسبب لا دخل للحائز فيه ولا لغيره ، انتفى الضّمان في يد الأمانة ، لا في يد الضّمان ، فلو هلكت العاريّة في يد المستعير بسبب الحرّ أو البرد ، لا يضمن المستعير ، لأنّ يده يد أمانة .

    بخلاف يد البائع قبل تسليم المبيع إلى المشتري ، فإنّه لا ينتفي الضّمان بهلاكه بذلك ، بل يفسخ العقد ، ويسقط الثّمن ، لعدم الفائدة من بقائه ، لعجز البائع عن تسليم المبيع كلّما طالب بالثّمن ، فامتنعت المطالبة ، وارتفع العقد كأن لم يكن .

    والمذهب عند مالك ، انتقال الضّمان إلى المشتري بنفس العقد .

    ب - تغيّر صفة وضع اليد :

    تتغيّر صفة يد الأمين وتصبح يد ضمان بالتّعدّي ، فإذا تلف الشّيء بعد ذلك ضمنه ، مهما كان سبب التّلف ، ولو سماويّاً .

    أ - ففي الإجارة ، يعتبر الأجير المشترك أميناً - عند أبي حنيفة - والمتاع في يده أمانة ، لا يضمن إن هلك بغير عمله ، إلاّ إن قصّر في حفظه ، كالوديع إذا قصّر في حفظ الوديعة ، أو تعمّد الإتلاف ، أو تلف المتاع بفعله ، كتمزّق الثّوب من دقّه .

    ب - وفي الوديعة ، يضمن إذا ترك الحفظ الملتزم ، كأن رأى إنساناً يسرق الوديعة ، فتركه وهو قادر على المنع ، أو خالف في كيفيّة الحفظ ، أو أودعها من ليس في عياله ، أو عند من لا تودع عند مثله ، أو سافر بها ، أو جحدها كما تقدّم .

    ج - وفي العاريّة ، وهي أمانة عند الجمهور ، ما عدا الحنابلة ، لا تضمن إن هلكت بالانتفاع المعتاد ، وتضمن بالتّعدّي ، كأن يدلّ عليها سارقاً أو يتلفها أو يمنعها من المعير بعد الطّلب ، على تفصيل بين ما يغاب وما لا يغاب عند المالكيّة .

    ج - الموت عن تجهيل :

    معنى التّجهيل : أن لا يبيّن حال الأمانة الّتي عنده ، وهو يعلم أنّ وارثه لا يعلم حالها، كذلك فسّرها ابن نجيم ، فالوديع إذا مات مجهلاً حال الوديعة الّتي عنده ، ووارثه لا يعلم حالها ، يضمنها بذلك .

    ومعنى ضمانها - كما يقول ابن نجيم - صيرورتها ديناً في تركته .

    وكذلك ناظر الوقف ، إذا مات مجهلاً لحال بدل الوقف ، فإنّه يضمنه .

    وكذا كلّ شيء أصله أمانة يصير ديناً في التّركة بالموت عن تجهيل .

    ونصّ الشّافعيّة على أنّ ترك الإيصاء في الوديعة يستوجب الضّمان ، وقالوا : إذا مرض المودع مرضاً مخوفاً ، أو حبس ليقتل لزمه أن يوصي ، فإن سكت عن ذلك لزمه الضّمان ، لأنّه عرّضها للفوات ، لأنّ الوارث يعتمد ظاهر العين ، ولا بدّ في الوصيّة من بيان الوديعة ، حتّى لو قال : عندي لفلان ثوب ، ولم يوجد في تركته ، ضمن لعدم بيانه .

    د - الشّرط :

    لا أثر للشّرط في صفة اليد المؤتمنة عند الأكثرين .

    قال البغداديّ : اشتراط الضّمان على المستعير باطل ، وقيل : تصير مضمونةً .

    وقال التّمرتاشيّ : واشتراط الضّمان على الأمين باطل ، به يفتى ، فلو شرط المؤجّر على المستأجر ضمان العين المؤجّرة ، فالشّرط فاسد .

    ولو شرط المودع على الوديع ضمان الوديعة فالشّرط باطل ، ولا ضمان لو تلفت وكذا الحكم في سائر الأمانات .

    وعلّله المالكيّة ، بأنّه لما فيه من إخراجها عن حقيقتها الشّرعيّة .

    وقال الحنابلة : لأنّه شرط ينافي مقتضى العقد ، ولو قال الوديع : أنا ضامن لها لم يضمن ما تلف بغير تعدّ ولا تقصير ، لأنّ ضمان الأمانات غير صحيح .

    ونصّ القليوبيّ على أنّ شرط الأمانة في العاريّة - وهي مضمونة عند الشّافعيّة إذا هلكت بغير الاستعمال - هو شرط مفسد على المعتمد ، وشرط أن لا ضمان فيها فاسد لا مفسد . وجاء في نصوص الحنابلة : كلّ ما كان أمانةً لا يصير مضموناً بشرطه ، لأنّ مقتضى العقد كونه أمانةً ، فإذا شرط ضمانه ، فقد التزم ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه ، فلم يلزمه ، كما لو اشترط ضمان الوديعة ، أو ضمان مال في يد مالكه .

    وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه ، لأنّ مقتضى العقد الضّمان ، فإذا شرط نفي ضمانه لا ينتفي مع وجود سببه ، كما لو اشترط نفي ضمان ما يتعدّى فيه .

    وعن أحمد أنّه ذكر له ذلك ، فقال : " المؤمنون على شروطهم " ، وهذا يدلّ على نفي الضّمان بشرطه ، والأوّل ظاهر المذهب ، لما ذكرناه .

    القواعد الفقهيّة في الضّمان :

    القواعد في الضّمان كثيرة ، نشير إلى أهمّها ، باختصار في التّعريف بها ، والتّمثيل لها ، كلّما دعت الحاجة مرتّبةً بحسب أوائل حروفها :

    القاعدة الأولى :

    الأجر والضّمان لا يجتمعان :

    الأجر هو : بدل المنفعة . والضّمان - هنا - هو : الالتزام بقيمة العين المنتفع بها ، هلكت أو لم تهلك ، وهذه القاعدة من قواعد الحنفيّة ، المتّصلة برأيهم في عدم ضمان منافع المغصوب ، خلافاً للجمهور .

    فلو استأجر دابّةً أو سيّارةً ، لحمل شيء معيّن ، فحمّلها شيئاً آخر أو أثقل منه بخلاف جنسه ، كأن حمل مكان القطن حديداً فتلفت ، ضمن قيمتها ، ولا أجر عليه ، لأنّها هلكت بغير المأذون فيه .

    وكذا لو استأجرها ، ليركبها إلى مكان معيّن ، فذهب بها إلى مكان آخر فهلكت ، ضمن قيمتها ، ولا أجر عليه ، لأنّ الأجر والضّمان لا يجتمعان ، عند الحنفيّة .

    لكن القاعدة مشروطة عندهم ، بعدم استقرار الأجر في ذمّة الضّامن ، كما لو استوفى منفعة الدّابّة - مثلاً - فعلاً ، ثمّ تجاوز فصار غاصباً ، وضمن ، يلزمه أجر ما سمّى عندهم ، إذا سلمت الدّابّة ولم تهلك .

    والجمهور يوجبون الأجر كلّما كان للمغصوب أجر ، لأنّ المنافع متقوّمة كالأعيان ، فإذا تلفت أو أتلفها فقد أتلف متقوّماً ، فوجب ضمانه كالأعيان وإذا ذهب بعض أجزاء المغصوب في مدّة الغصب ، وجب مع الأجرة أرش نقصه لانفراد كلّ بإيجاب .

    وللمالكيّة أقوال : وافقوا في بعضها الحنفيّة ، وفي بعضها الجمهور وانفردوا بتفصيل في بعضها .

    القاعدة الثّانية :

    إذا اجتمع المباشر والمتسبّب يضاف الحكم إلى المباشر .

    المباشر للفعل : هو الفاعل له بالذّات ، والمتسبّب هو المفضي والموصّل إلى وقوعه، ويتخلّل بين فعله وبين الأثر المترتّب عليه فعل فاعل مختار ، والمباشر يحصل الأثر بفعله من غير تخلّل فعل فاعل مختار .

    وإنّما قدّم المباشر لأنّه أقرب لإضافة الحكم إليه من المتسبّب ، قال خليل : وقدّم عليه المردي فلو حفر رجل بئراً في الطّريق العامّ ، بغير إذن من وليّ الأمر ، فألقى شخص حيوان غيره في تلك البئر ، ضمن الّذي ألقى الحيوان ، لأنّه العلّة المؤثّرة ، دون حافر البئر، لأنّ التّلف لم يحصل بفعله .

    ولو وقع الحيوان فيه بغير فعل أحد ، ضمن الحافر ، لتسبّبه بتعدّيه بالحفر بغير إذن . وكذلك لو دلّ سارقاً على متاع ، فسرقه المدلول ، ضمن السّارق لا الدّالّ .

    ولذا لو دفع إلى صبيّ سكّيناً ، فوجأ به نفسه ، لا يضمن الدّافع ، لتخلّل فعل فاعل مختار . ولو وقع السّكّين على رجل الصّبيّ فجرحها ضمن الدّافع .

    القاعدة الثّالثة :

    الاضطرار لا يبطل حقّ الغير .

    تطّرد هذه القاعدة سواء أكان الاضطرار فطريّاً كالجوع ، أم غير فطريّ كالإكراه ، فإنّه يسقط الإثم ، وعقوبة التّجاوز ، أمّا حقّ الآخرين فلا يتأثّر بالاضطرار ، ويبقى المال مضموناً بالمثل إن كان مثليّاً ، والقيمة إن كان قيميّاً .

    فلو اضطرّ في مخمصة إلى أكل طعام غيره ، جاز له أكله ، وضمن قيمته ، لعدم إذن المالك، وإنّما الّذي وجد هو إذن الشّرع الّذي أسقط العقوبة فقط .

    القاعدة الرّابعة :

    الأمر بالتّصرّف في ملك الغير باطل .

    الأمر : هو طلب الفعل جزماً ، فإذا أمر شخص غيره بأخذ مال شخص آخر أو بإتلافه عليه فلا عبرة بهذا الأمر ، ويضمن الفاعل .

    وهذه القاعدة مقيّدة : بأن يكون المأمور عاقلاً بالغاً ، فإذا كان صغيراً ، كان الضّمان على الآمر .

    وأن لا يكون الآمر ذا ولاية وسلطان على المأمور .

    فلو كان الآمر هو السّلطان أو الوالد ، كان الضّمان عليهما .

    القاعدة الخامسة :

    جناية العجماء جبار .

    هذه القاعدة مقتبسة من حديث شريف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : » العجماء جرحها جبار « .

    والعجماء : البهيمة ، لأنّها لا تفصح ، ومعنى جبار : أنّه هدر وباطل .

    والمراد أنّها إذا كانت مسيّبةً حيث تسيّب الحيوانات ، ولا يد عليها ، أمّا لو كان معها راكب فيضمن ، فلو اصطادت هرّته طائراً لغيره لم يضمن .

    القاعدة السّادسة :

    الجواز الشّرعيّ ينافي الضّمان .

    يعني إذا ترتّب على الفعل الجائز المباح شرعاً ، ضرر للآخرين ، لا يضمن الضّرر . فلو حفر حفرةً في ملكه ، أو في الطّريق ، بإذن الحاكم ، فتردّى فيها حيوان أو إنسان ، لا يضمن الحافر شيئاً .

    وهذا مقيّد بشرطين :

    1 - أن لا يكون المباح مقيّداً بشرط السّلامة ، فيضمن - مثلاً - راكب السّيّارة وقائد الدّابّة أو راكبها في الطّريق .

    2 - أن لا يكون في المباح إتلاف الآخرين وإلاّ كان مضموناً .

    فيضمن ما يتلفه من مال غيره للمخمصة ، مع أنّ أكله لأجلها جائز ، بل واجب .

    القاعدة السّابعة :

    الخراج بالضّمان .

    الخراج : هو غلّة الشّيء ومنفعته ، إذا كانت منفصلةً عنه ، غير متولّدة منه . كسكنى الدّار ، وأجرة الدّابّة

    والضّمان : هو التّعويض الماليّ عن الضّرر المادّيّ .

    والمعنى : أنّ منافع الشّيء يستحقّها من يلزمه ضمانه لو هلك ، فتكون المنفعة في مقابل تحمّل خسارة هلاكه ، فما لم يدخل في ضمانه لا يستحقّ منافعه وقد » نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن « .

    القاعدة الثّامنة :

    الغرم بالغنم .

    هذه القاعدة معناها أنّ التّكلّفات والغرامات الّتي تترتّب على الشّيء ، تجب على من استفاد منه وانتفع به ، مثال ذلك :

    1 - نفقة ردّ العاريّة على المستعير ، لأنّه هو الّذي انتفع بها .

    2 - ونفقة ردّ الوديعة على المودع ، لأنّه هو الّذي استفاد من حفظها .

    3 - وأجرة كتابة عقد الملكيّة على المشتري ، لأنّها توثيق لانتقال الملكيّة إليه ، وهو المستفيد من ذلك .

    القاعدة التّاسعة :

    لا يجوز لأحد أخذ مال أحد بلا سبب شرعيّ .

    هذه القاعدة مأخوذة من حديث : » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه « .

    فيحرم أخذ أموال الآخرين بالباطل كالغصب والسّرقة ونحوهما .


  5. #5
    رقم العضوية : 3562
    المشاركات : 4,030
    التقييم : 10
    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء الخامس



    أحكام الضّمان :

    أحكام الضّمان - بوجه عامّ - تقسّم إلى هذه الأقسام :

    1 - ضمان الدّماء - الأنفس والجراح - .

    2 - ضمان العقود .

    3 - ضمان الأفعال الضّارّة بالأموال ، كالإتلافات ، والغصوب .

    وحيث تقدّم القول في ضمان العقود في أنواع الضّمان ومحلّه ، فنقصر القول على ضمان الدّماء ، وضمان الأفعال الضّارّة بالأموال .

    ضمان الدّماء - الأنفس والجراح - :

    ضمان الدّماء أو الأنفس هو : الجزاء المترتّب على الضّرر الواقع على النّفس فما دونها .

    ويشمل القصاص والحدود ، وهي مقدّرة ، كما يشمل التّعزير و حكومة العدل وهي غير مقدّرة من جهة الشّارع .

    ويقسّم الضّمان - بحسب الجناية - إلى ثلاثة أقسام :

    أ - ضمان الجناية على النّفس .

    ب - ضمان الجناية على ما دون النّفس ، من الأطراف والجراح .

    ج - ضمان الجناية على الجنين ، وهي : الإجهاض .

    وبيان ذلك فيما يلي :

    أوّلاً : ضمان الجناية على النّفس :

    يتمثّل فيما يلي ، باعتبار أنواعها :

    القتل العمد :

    القتل العمد ، إذا تحقّقت شروطه ، فضمانه بالقصاص .

    وأوجب الشّافعيّة وآخرون الكفّارة فيه أيضاً .

    فإن امتنع القصاص ، أو تعذّر أو صالح عنه ، كان الضّمان بالدّية أو بما صولح عنه .

    ويوجب المالكيّة حينئذ التّعزير ، كما يوجبون في القتل غيلةً - القتل على وجه المخادعة والحيلة - قتل القاتل تعزيراً ، إن عفا عنه أولياء المقتول .

    كما يحرم القاتل من ميراث المقتول ووصيّته .

    القتل الشّبيه بالعمد :

    هو : القتل بما لا يقتل في الغالب - عند الجمهور - وبالمثقلات كذلك - عند أبي حنيفة ، من غير الحديد والمعدن - وإن كان المالكيّة يرون هذا من العمد .

    وهو مضمون بالدّية المغلّظة في الحديث : » ألا وإنّ قتيل الخطأ شبه العمد ، ما كان بالسّوط والعصا ، مائة من الإبل ، أربعون في بطونها أولادها « .

    القتل الخطأ :

    وهو مضمون بالدّية على العاقلة اتّفاقاً بالنّصّ الكريم ، وفيه كذلك الكفّارة والحرمان من الإرث والوصيّة وهذا لعموم النّصّ .

    والضّمان كذلك في القتل الشّبيه بالخطأ في اصطلاح الحنفيّة ، ويتمثّل بانقلاب النّائم على شخص فيقتله ، أو انقلاب الأمّ على رضيعها فيموت بذلك .

    القتل بسبب :

    قال به الحنفيّة ، ويتمثّل بما لو حفر حفرةً في الطّريق ، فتردّى فيها إنسان فمات . وهو مضمون بالدّية فقط ، عندهم ، فلا كفّارة فيه ، ولا حرمان ، لانعدام القتل فيه حقيقةً ، وإنّما أوجبوا الدّية صوناً للدّماء عن الهدر .

    والجمهور من الفقهاء ، يلحقون هذا النّوع من القتل بالخطأ في أحكامه ، ديةً ، وكفّارةً ، وحرماناً ، لأنّ الشّارع أنزله منزلة القاتل .

    ثانياً : ضمان الجناية على ما دون النّفس :

    وتتحقّق في الأطراف ، والجراح في غير الرّأس ، وفي الشّجاج .

    أ - أمّا الأطراف : فحدّدت عقوبتها بالقصاص بالنّصّ ، في قوله تعالى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ } .

    وزاد مالك على ذلك التّعزير بالتّأديب ، ليتناهى النّاس .

    فإذا امتنع القصاص ، بسبب العفو أو الصّلح أو لتعذّر المماثلة ، كان الضّمان بالدّية والأرش، وهو : اسم للواجب من المال فيما دون النّفس .

    ب - وأمّا الجراح : فخاصّة بما كان في غير الرّأس ، فإذا كانت جائفةً ، أي بالغة الجوف ، فلا قصاص فيها اتّفاقاً ، خشية الموت .

    وإذا كانت غير جائفة ، ففيها القصاص عند جمهور الفقهاء في الجملة خلافاً للحنفيّة الّذين منعوا القصاص فيها مطلقاً لتعذّر المماثلة .

    فإن امتنع القصاص في الجراح ، وجبت الدّية : ففي الجائفة يجب ثلث الدّية ، لحديث : » في الجائفة ثلث العقل « .

    وفي غير الجائفة حكومة عدل ، وفسّرت بأنّها أجرة الطّبيب وثمن الأدوية .

    ج - وأمّا الشّجاج : وهي ما يكون من الجراح في الوجه والرّأس فإن تعذّر القصاص فيها : ففيه الأرش مقدّراً ، كما في الموضحة ، لحديث : » قضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الموضحة ، خمس من الإبل « .

    وقد يكون غير مقدّر ، فتجب الحكومة .

    ومذهب الجمهور : أنّ ما دون الموضحة ، ليس فيه أرش مقدّر ، لما روي : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقض فيما دون الموضحة بشيء « . فتجب فيه الحكومة .

    ومذهب أحمد أنّه ورد التّقدير في أرش الموضحة ، وفيما دونها ، كما ورد فيما فوقها فيعمل به .

    ثالثاً : ضمان الجناية على الجنين :

    وهي الإجهاض ، فإذا سقط الجنين ميّتاً بشروطه ، فضمانه بالغرّة اتّفاقاً ، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان ، بغرّة عبد أو أمة « .

    وتجب عند الجمهور في مال العاقلة خلافاً للمالكيّة والحنابلة الّذين أوجبوها في مال الجاني . ولا كفّارة فيها عند الحنفيّة ، وإنّما تندب ، وأوجبها الشّافعيّة والحنابلة لأنّ الجنين آدميّ معصوم ، وإذا لم توجد الرّقبة ، انتقلت العقوبة إلى بدلها مالاً ، وهو : نصف عشر دية الرّجل ، وعشر دية المرأة .

    ضمان الأفعال الضّارّة بالأموال :

    تتمثّل الأفعال الضّارّة بالأموال في الإتلافات الماليّة ، والغصوب ، ونحوها .

    ولضمان هذا النّوع من الأفعال الضّارّة ، أحكام عامّة ، وأحكام خاصّة :

    أوّلاً : الأحكام العامّة في ضمان الأفعال الضّارّة بالأموال :

    تقوم فكرة هذا النّوع من الضّمان - خلافاً لما تقدّم في ضمان الأفعال الضّارّة بالأنفس - على مبدأ جبر الضّرر المادّيّ الحائق بالآخرين ، أمّا في تلك فهو قائم على مبدأ زجر الجناة وردع غيرهم .

    والتّعبير بالضّمان عن جبر الضّرر وإزالته ، هو التّعبير الشّائع في الفقه الإسلاميّ ، وعبّر بعض الفقهاء من المتأخّرين بالتّعويض ، كما فعل ابن عابدين .

    وتوسّع الفقهاء في هذا النّوع في أنواع الضّمان وتفصيل أحكامه ، حتّى أفرده البغداديّ بالتّصنيف في كتابه : مجمع الضّمانات .

    ومن أهمّ قواعد الضّمان قاعدة : الضّرر يزال .

    وإزالة الضّرر الواقع على الأموال يتحقّق بالتّعويض الّذي يجبر فيه الضّرر .

    وقد عرّف الفقهاء الضّمان بهذا المعنى ، بأنّه : ردّ مثل الهالك أو قيمته .

    وعرّفه الشّوكانيّ بأنّه : عبارة عن غرامة التّالف .

    وكلا التّعريفين يستهدف إزالة الضّرر ، وإصلاح الخلل الّذي طرأ على المضرور ، وإعادة حالته الماليّة إلى ما كانت عليه قبل وقوع الضّرر .

    طريقة التّضمين :

    القاعدة العامّة في تضمين الماليّات هي : مراعاة المثليّة التّامّة بين الضّرر ، وبين العوض ، كلّما أمكن ، قال السّرخسيّ : " ضمان العدوان مقدّر بالمثل بالنّصّ " يشير إلى قوله تعالى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ } .

    والمثل وإن كان به يتحقّق العدل ، لكن الأصل أن يردّ الشّيء الماليّ المعتدى فيه نفسه ، كلّما أمكن ، ما دام قائماً موجوداً ، لم يدخله عيب ينقص من منفعته ، وهذا الحديث الحسن، عن سمرة رضي الله تعالى عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « .

    بل هذا هو الموجب الأصليّ في الغصب ، الّذي هو أوّل صور الضّرر وأهمّها .

    فإذا تعذّر ردّ الشّيء بعينه ، لهلاكه أو استهلاكه أو فقده ، وجب حينئذ ردّ مثله ، إن كان مثليّاً ، أو قيمته إن كان قيميّاً .

    والمثليّ هو : ما له مثل في الأسواق ، أو نظير ، بغير تفاوت يعتدّ به ، كالمكيلات ، والموزونات ، والمذروعات ، والعدديّات المتقاربة .

    والقيميّ هو : ما ليس له مثل في الأسواق ، أو هو ما تتفاوت أفراده ، كالكتب المخطوطة ، والثّياب المفصّلة المخيطة لأشخاص بأعيانهم .

    والمثل أعدل في دفع الضّرر ، لما فيه من اجتماع الجنس والماليّة .

    والقيمة تقوم مقام المثل ، في المعنى والاعتبار الماليّ .

    وقت تقدير التّضمين :

    تناول الفقهاء هذه المسألة ، في المغصوب - على التّخصيص - إذا كان مثليّاً ، وفقد من السّوق ، وقد اختلفت أنظارهم فيها على الوجه التّالي :

    ذهب أبو يوسف : إلى اعتبار القيمة يوم الغصب ، لأنّه لمّا انقطع من السّوق التحق بما لا مثل له ، فتعتبر قيمته يوم انعقاد السّبب ، وهو الغصب ، كما أنّ القيميّ تعتبر قيمته كذلك يوم الغصب .

    وذهب محمّد : إلى اعتبار القيمة يوم الانقطاع ، لأنّ الواجب هو المثل في الذّمّة وإنّما ينتقل إلى القيمة بالانقطاع ، فتعتبر قيمته يوم الانقطاع .

    ومذهب أبي حنيفة : اعتبار القيمة يوم القضاء ، لأنّ الواجب هو المثل ، ولا ينتقل إلى القيمة بمجرّد الانقطاع ، لأنّ للمغصوب منه أن ينتظر حتّى يوجد المثل ، بل إنّما ينتقل بالقضاء ، فتعتبر القيمة يوم القضاء .

    أمّا القيميّ إذا تلف ، فتجب قيمته يوم الغصب اتّفاقاً .

    أمّا في الاستهلاك : فكذلك عند الإمام وعندهما يوم الاستهلاك .

    ومذهب المالكيّة : أنّ ضمان القيمة يعتبر يوم الغصب والاستيلاء على المغصوب سواء أكان عقاراً ، أم غيره ، لا يوم حصول المفوّت ، ولا يوم الرّدّ ، وسواء أكان التّلف بسماويّ أم بجناية غيره عليه .

    وفي الإتلاف والاستهلاك - في غير المثليّات - كالعروض والحيوان ، تعتبر يوم الاستهلاك والإتلاف .

    والأصحّ عند الشّافعيّة : أنّ المثليّ إذا تعذّر وجوده ، في بلده وحواليه تعتبر أقصى قيمة ، من وقت الغصب إلى تعذّر المثل ، وفي قول إلى التّلف ، وفي قول إلى المطالبة .

    وإذا كان المثل مفقوداً عند التّلف ، فالأصحّ وجوب أكثر القيم من وقت الغصب إلى التّلف ، لا إلى وقت الفقد .

    وأمّا المتقوّم فيضمن في الغصب بأقصى قيمة من الغصب إلى التّلف .

    وأمّا الإتلاف بلا غصب ، فتعتبر قيمته يوم التّلف ، لأنّه لم يدخل في ضمانه قبل ذلك ، وتعتبر في موضع الإتلاف ، إلاّ إذا كان المكان لا يصلح لذلك كالمفازة ، فتعتبر القيمة في أقرب البلاد .

    ومذهب الحنابلة : أنّه يجب ردّ قيمة المغصوب ، إن لم يكن مثليّاً ، يوم تلفه في بلد غصبه من نقده ، لأنّ ذلك زمن الضّمان وموضع الضّمان ومنصرف اللّفظ عند الإطلاق – كالدّينار- كما يقول البهوتيّ إن لم تختلف قيمة التّالف ، من حين الغصب إلى حين الرّدّ . فإن اختلفت لمعنىً في التّالف من كبر وصغر وسمن وهزال - ونحوها - ممّا يزيد في القيمة وينقص منها ، فالواجب ردّ أكثر ما تكون عليه القيمة من حين الغصب إلى حين الرّدّ، لأنّها مغصوبة في الحال الّتي زادت فيها ، والزّيادة مضمونة لمالكها .

    وإن كان المغصوب مثليّاً يجب ردّ مثله ، فإن فقد المثل ، فتجب القيمة يوم انقطاع المثل ، لأنّ القيمة وجبت في الذّمّة حين انقطاع المثل ، فاعتبرت القيمة حينئذ ، كتلف المتقوّم . وقال القاضي : تجب قيمته يوم قبض البدل ، لأنّ الواجب هو المثل ، إلى حين قبض البدل ، بدليل أنّه لو وجد المثل بعد فقده ، لكان الواجب هو المثل دون القيمة ، لأنّه الأصل ، قدر عليه قبل أداء البدل ، فأشبه القدرة على الماء بعد التّيمّم

    تقادم الحقّ في التّضمين :

    التّقادم - أو مرور الزّمان - هو : مضيّ زمن طويل ، على حقّ أو عين في ذمّة إنسان ، لغيره دون مطالبة بهما ، مع قدرته عليها .

    والشّريعة - بوجه عامّ - اعتبرت التّقادم مانعاً من سماع الدّعوى ، في الملك وفي الحقّ ، مع بقائهما على حالهما السّابقة ، ولم تعتبره مكسباً لملكيّة أو قاطعاً لحقّ .

    فيقول الحصكفيّ : القضاء مظهر لا مثبت ، ويتخصّص بزمان ومكان وخصومة حتّى لو أمر السّلطان بعدم سماع الدّعوى ، بعد خمس عشرة سنةً ، فسمعها القاضي ، لم ينفذ .

    ونقل ابن عابدين عن الأشباه وغيرها ، أنّ الحقّ لا يسقط بتقادم الزّمان .

    فبناءً على هذا يقال : إذا لم يرفع الشّخص المضرور دعوى ، يطالب فيها بالضّمان أو التّعويض عن الضّرر ، ممّن ألحقه به ، مدّة خمسة عشر عاماً ، سقط حقّه ، قضاءً فقط لا ديانةً ، في إقامة الدّعوى من جديد ، إلاّ إذا كان المضرور غائباً ، أو كان مجنوناً أو صبيّاً وليس له وليّ ، أو كان المدّعى عليه حاكماً جائراً ، أو كان ثابت الإعسار خلال هذه المدّة ، ثمّ أيسر بعدها ، فإنّه يبقى حقّه في إقامة الدّعوى قائماً ، مهما طال الزّمن بسبب العذر ، الّذي ينفي شبهة التّزوير .

    وكذلك إذا أمر السّلطان العادل نفسه بسماع هذه الدّعوى ، بعد مضيّ خمسة عشر عاماً أو سمعها بنفسه - كما يقول ابن عابدين - حفظاً لحقّ المضرور ، إذا لم يظهر منه ما يدلّ على التّزوير .

    وكذلك إذا أقرّ الخصم بحقّ المضرور في الضّمان ، والتّعويض عن الضّرر ، بعد مضيّ هذه المدّة ، فإنّه يتلاشى بذلك مضيّ الزّمن ويسقط لظهور الحقّ بإقراره وهذا كما جاء في كتب الحنفيّة .


  6. #6
    رقم العضوية : 3562
    المشاركات : 4,030
    التقييم : 10
    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء السادس



    الأحكام الخاصّة في ضمان الأفعال الضّارّة بالأموال :

    قد ذكرنا أنّ القاعدة في الضّمان ، هي ردّ العين أصلاً ، وإذا تعذّر ردّ العين ، وجب الضّمان بردّ المثل في المثليّات ، ودفع القيمة في القيميّات .

    ونذكر - هنا - التّضمين في أحوال خاصّة مستثناة من الأصل ، إذ يحكم فيها بالتّعويض الماليّ أحياناً ، وبالتّخيير بينه وبين ضمان المثل في أحيان أخرى ، وهي : قطع الشّجر ، وهدم المباني ، والبناء على الأرض المغصوبة ، أو الغرس فيها ، وقلع عين الحيوان ، وتفصيل القول فيها كما يلي :

    أ - قطع الشّجر :

    لو قطع شخص لآخر ، شجر حديقته ، ضمن قيمة الشّجر ، لأنّه ليس بمثليّ . وطريق معرفته : أن تقوّم الحديقة مع الشّجر القائم ، وتقوّم بدونه فالفضل هو قيمته ، فالمالك مخيّر بين أن يضمّنه تلك القيمة ، ويدفع له الأشجار المقطوعة ، وبين أن يمسكها ، ويضمّنه نقصان تلك القيمة .

    ولو كانت قيمة الأشجار مقطوعةً وغير مقطوعة سواء ، برئ .

    ولو أتلف شجرةً من ضيعة ، ولم يتلف به شيء ، قيل : تجب قيمة الشّجرة المقطوعة ، وقيل تجب قيمتها نابتةً ، ولو أتلف شجرةً ، قوّمت مغروسةً وقوّمت مقطوعةً ، ويغرم ما بينهما .

    ولو أتلف ثمارها ، أو نفضها لمّا نوّرت ، حتّى تناثر نورها ، قوّمت الشّجرة مع ذلك ، وقوّمت بدونها فيغرم ما بينهما ، وكذا الزّرع .

    ب - هدم المباني :

    إذا هدم إنسان بناءً أو جداراً لغيره ، يجب عليه بناء مثله ، وهذا عند أبي حنيفة والشّافعيّ ، فإن تعذّرت المماثلة رجع إلى القيمة ، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » كان رجل في بني إسرائيل يقال له : جريج ، يصلّي ، فجاءته أمّه فدعته ، فأبى أن يجيبها ، فقال : أجيبها أو أصلّي ؟ ثمّ أتته فقالت : اللّهمّ لا تمته حتّى تريه وجوه المومسات ، وكان جريج في صومعته فقالت امرأة : لأفتننّ جريجاً ، فتعرّضت له ، فكلّمته ، فأبى . فأتت راعياً فأمكنته من نفسها . فولدت غلاماً ، فقالت : هو من جريج . فأتوه كسروا صومعته وأنزلوه وسبّوه ، فتوضّأ وصلّى ، ثمّ أتى الغلام فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال : الرّاعي . قالوا : نبني صومعتك من ذهب ، قال : لا، إلاّ من طين «

    والأصل : أنّ الحائط والبناء من القيميّات ، فتضمن بالقيمة .

    وقد نقل الرّمليّ الحنفيّ أنّه لو هدم جدار غيره ، تقوّم داره مع جدرانها ، وتقوّم بدون هذا الجدار فيضمن فضل ما بينهما .

    وفي القنية عن محمّد بن الفضل : إذا هدم حائطاً متّخذاً من خشب أو عتيقاً متّخذاً من رهص - طين - يضمن قيمته ، وإن كان حديثاً يؤمر بإعادته كما كان .

    وقال ابن نجيم : من هدم حائط غيره فإنّه يضمن نقصانها - أي قيمتها مبنيّةً - ولا يؤمر بعمارتها ، إلاّ في حائط المسجد ، كما في كراهة الخانيّة .

    لكن المذهب ، ما قاله العلامة قاسم في شرحه للنّقاية : وإذا هدم الرّجل حائط جاره فللجار الخيار : إن شاء ضمّنه قيمة الحائط ، والنّقض للضّامن ، وإن شاء أخذ النّقض ، وضمّنه النّقصان ، لأنّ الحائط قائم من وجه ، وهالك من وجه ، فإن شاء مال إلى جهة القيام ، وضمّنه النّقصان ، وإن شاء مال إلى جهة الهلاك وضمّنه قيمة الحائط ، وليس له أن يجبره على البناء ، كما كان ، لأنّ الحائط ليس من ذوات الأمثال .

    وطريق تقويم النّقصان : أن تقوّم الدّار مع حيطانها ، وتقوّم بدون هذا الحائط فيضمن فضل ما بينهما .

    والضّمان في هذه الحال مقيّد بما إذا لم يكن الهدم للضّرورة ، كمنع سريان الحريق ، بإذن الحاكم ، فإن كان كذلك فلا ضمان ، وإن لم يكن بإذن الحاكم ، ضمن الهادم قيمتها معرّضةً للحريق .

    ج - البناء على الأرض المغصوبة أو الغرس فيها :

    إذا غرس شخص شجراً ، أو أقام بناءً على أرض غصبها ، فمذهب جمهور الفقهاء، وهو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة أنّه يؤمر بقلع الشّجر ، وهدم البناء ، وتفريغ الأرض من كلّ ما أنشأ فيها ، وإعادتها كما كانت

    قال ابن قدامة : لا نعلم فيه خلافاً وذلك : لحديث عروة بن الزّبير أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : » من أحيا أرضاً ميّتةً فهي له ، وليس لعرق ظالم حقّ « ، قال : فلقد أخبرني الّذي حدّثني هذا الحديث : » أنّ رجلين اختصما إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم غرس أحدهما نخلاً في أرض الآخر ، فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النّخل أن يخرج نخله منها ، قال : فلقد رأيتها ، وإنّها لتضرب أصولها بالفؤوس ، وإنّها لنخل عمّ « أي طويلة .

    ولأنّه شغل ملك غيره ، فيؤمر بتفريغه ، دفعاً للظّلم ، وردّاً للحقّ إلى مستحقّه .

    قال الشّافعيّة والحنابلة : عليه أرش نقصها إن كان ، وتسويتها ، لأنّه ضرر حصل بفعله ، مع أجرة المثل إلى وقت التّسليم .

    وقال القليوبيّ : وللغاصب قلعهما قهراً على المالك ، ولا يلزمه إجابة المالك لو طلب الإبقاء بالأجر ، أو التّملّك بالقيمة ، وللمالك قلعهما جبراً على الغاصب ، بلا أرش لعدم احترامهما عليه .

    والمالكيّة خيّروا المالك بين قلع الشّجر وهدم البناء ، وبين تركهما ، على أن يعطى المالك الغاصب ، قيمة أنقاض الشّجر والبناء ، مقلوعاً ، بعد طرح أجرة النّقض والقلع ، لكنّهم قيّدوا قلع الزّرع بما إذا لم يفت ، أي لم يمض وقت ما تراد الأرض له فله عندئذ أخذه بقيمته مقلوعاً مطروحاً منه أجرة القلع . فإن فات الوقت ، بقي الزّرع للزّارع ، ولزمه الكراء إلى انتهائه .

    ونصّ على مثل هذا الحنفيّة .

    د - قلع عين الحيوان :

    الحيوان وإن كان من الأموال ، وينبغي أن تطبّق في إتلافه - كلّيّاً أو جزئيّاً - القواعد العامّة ، إلاّ أنّه ورد في السّمع تضمين ربع قيمته ، بقلع عينه ، ففي الحديث : » قضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في عين الدّابّة ربع ثمنها « .

    وروي ذلك عن عمر وشريح رضي الله تعالى عنهما ، وكتب عمر إلى شريح ، لمّا كتب إليه يسأله عن عين الدّابّة : إنّا كنّا ننزلها منزلة الآدميّ ، إلاّ أنّه أجمع رأينا أنّ قيمتها ربع الثّمن .

    قال ابن قدامة : هذا إجماع يقدّم على القياس .

    وهذا ممّا جعل الحنفيّة - وهو رواية عند الحنابلة عن أحمد - يعدلون عن القياس ، بالنّظر إلى ضمان العين فقط .

    فعملوا بالحديث ، وتركوا فيه القياس ، لكنّهم خصّوه بالحيوان الّذي يقصد للّحم ، كما يقصد للرّكوب والحمل والزّينة أيضاً ، كما في عين الفرس والبغل والحمار ، وكذا في عين البقرة والجزور .

    أمّا غيره ، كشاة القصّاب المعدّة للذّبح ، ممّا يقصد منه اللّحم فقط ، فيعتبر ما نقصت قيمته. وطرد المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة القياس ، فضمّنوا ما يتلف من سائر أجزاء الحيوان ، بما ينقص من قيمته ، بفقد عينه وغيرها ، بالغاً ما بلغ النّقص بلا تفرقة بين أنواع الحيوان.

    قال المحلّيّ : ويضمن ما تلف أو أتلف من أجزائه بما نقص من قيمته .

    وقال الغزاليّ : ولا يجب في عين البقرة والفرس إلاّ أرش النّقص .

    وعلّل ذلك ابن قدامة : بأنّه ضمان مال من غير جناية ، فكان الواجب ما نقص ، كالثّوب ، ولأنّه لو فات الجميع لوجبت قيمته ، فإذا فات منه شيء ، وجب قدره من القيمة ، كغير الحيوان .

    ضمان الشّخص الضّرر النّاشئ عن فعل غيره وما يلتحق به :

    الأصل أنّ الشّخص مسئول عن ضمان الضّرر الّذي ينشأ عن فعله لا عن فعل غيره لكن الفقهاء استثنوا من هذا الأصل ضمان أفعال القصّر الخاضعين لرقابته ، وضمان أفعال تابعيه : كالخدم والعمّال وكالموظّفين ، وضمان ما يفسده الحيوان ، وضمان الضّرر الحادث بسبب سقوط الأبنية ، وضمان التّلف الحادث بالأشياء الأخرى ، وتفصيله فيما يلي :

    أوّلاً : ضمان الإنسان لأفعال الأشخاص الخاضعين لرقابته :

    ويتمثّل هذا النّوع من الضّمان ، في الأفعال الضّارّة ، الصّادرة من الصّغار القصّر ، الّذين هم في ولاية الأب والوصيّ ، والتّلاميذ حينما يكونون في المدرسة ، تحت رقابة النّاظر والمعلّم ، أو في رعاية أيّ رقيب عليهم وهم صغار ، ومثلهم المجانين والمعاتيه . ولمّا كان الأصل المقرّر في الشّريعة ، كما تقدّم آنفاً ، هو ضمان الإنسان لأفعاله كلّها ، دون تحمّل غيره عنه لشيء من تبعاتها ، مهما كان من الأمر .

    فقد طرد الفقهاء قاعدة تضمين الصّغار ، وأوجبوا عليهم الضّمان في مالهم ، ولم يوجبوا على أوليائهم والأوصياء عليهم ضمان ما أتلفوه ، إلاّ في أحوال مستثناة ، منها :

    أ - إذا كان إتلاف الصّغار للمال ، ناشئاً من تقصير الأولياء ونحوهم ، في حفظهم ، كما لو دفع إلى صبيّ سكّيناً ليمسكه له ، فوقع السّكّين من يده عليه أو على شخص آخر ، أو عثر به ، فإنّ الدّافع يضمن .

    ب - إذا كان بسبب إغراء الآباء والأوصياء الصّغار بإتلاف المال ، كما لو أمر الأب ابنه بإتلاف مال أو إيقاد نار ، فأوقدها ، وتعدّت النّار إلى أرض جاره ، فأتلفت شيئاً ، يضمن الأب ، لأنّ الأمر صحّ ، فانتقل الفعل إليه ، كما لو باشره الأب .

    فلو أمر أجنبيّ صبيّاً بإتلاف مال آخر ، ضمن الصّبيّ ، ثمّ رجع على آمره .

    ج - إذا كان بسبب تسليطهم على المال ، كما لو أودع صبيّاً وديعةً بلا إذن وليّه فأتلفها ، لم يضمن الصّبيّ ، وكذا إذا أتلف ما أعير له ، وما اقترضه وما بيع منه بلا إذن ، للتّسليط من مالكها .

    ثانياً : ضمان الشّخص لأفعال التّابعين له :

    ويتمثّل هذا في الخادم في المنزل ، والطّاهي في المطعم ، والمستخدم في المحلّ ، والعامل في المصنع ، والموظّف في الحكومة ، وفي سائق السّيّارة لمالكها كلّ في دائرة عمله .

    والعلاقة هنا عقديّة ، وفيما تقدّم من الرّقابة على عديمي التّمييز : هي : دينيّة أو أدبيّة . والفقهاء بحثوا هذا في باب الإجارة ، في أحكام الأجير الخاصّ ، وفي تلميذ الأجير المشترك عند الحنفيّة ، وهو الّذي يعمل لواحد عملاً مؤقّتاً بالتّخصيص ، ويستحقّ أجره بتسليم نفسه في المدّة ، وإن لم يعمل .

    والمعقود عليه هو منفعته ، ولا يضمن ما هلك في يده بغير صنعه ، لأنّ العين أمانة في يده، لأنّه قبض بإذنه ، ولا يضمن ما هلك من عمله المأذون فيه ، لأنّ المنافع متى صارت مملوكةً للمستأجر ، فإذا أمره بالتّصرّف في ملكه ، صحّ ، ويصير نائباً منابه ، فيصير فعله منقولاً إليه ، كأنّه فعله بنفسه ، فلهذا لا يضمنه وإنّما الضّمان في ذلك على مخدومه .

    ثالثاً : ضمان الشّخص فعل الحيوان :

    هناك نوعان من الحيوان :

    أحدهما الحيوان العاديّ ، والآخر الحيوان الخطر ، وفي تضمين جناية كلّ منهما ، خلاف بين الفقهاء ، ونوضّحه فيما يلي :

    أ - ضمان جناية الحيوان العاديّ غير الخطر :

    اختلف الفقهاء في ضمان ما يتلفه الحيوان العاديّ ، غير الخطر :

    فذهب جمهورهم إلى ضمان ما تفسده الدّابّة من الزّرع والشّجر ، إذا وقع في اللّيل ، وكانت وحدها إذا لم تكن يد لأحد عليها .

    وأمّا إذا وقع ذلك في النّهار ، ولم تكن يد لأحد عليها - أي الدّابّة - فلا ضمان فيه . واستدلّوا بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه : » أنّه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً ، فأفسدت فيه ، فقضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ حفظ الحوائط بالنّهار على أهلها ، وأنّ حفظ الماشية باللّيل على أهلها ، وأنّ ما أصابت الماشية باللّيل فهوعلى أهلها « قال ابن قدامة : ولأنّ العادة من أهل المواشي إرسالها في النّهار للرّعي ، وحفظها ليلاً ، وعادة أهل الحوائط حفظها نهاراً دون اللّيل ، فإذا ذهبت ليلاً كان التّفريط من أهلها ، بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ .

    وإن أتلفت نهاراً ، كان التّفريط من أهل الزّرع ، فكان عليهم ، وقد فرّق النّبيّ صلى الله عليه وسلم بينهما ، وقضى على كلّ إنسان بالحفظ في وقت عادته .

    وقال - أيضاً - : قال بعض أصحابنا : إنّما يضمن مالكها ما أتلفته ليلاً ، إذا فرّط بإرسالها ليلاً أو نهاراً أو لم يضمّها باللّيل ، أو ضمّها بحيث يمكنها الخروج ، أمّا لو ضمّها فأخرجها غيره بغير إذنه ، أو فتح عليها بابها ، فالضّمان على مخرجها ، أو فاتح بابها ، لأنّه المتلف.

    وقيّد المالكيّة عدم ضمان الإتلاف نهاراً بشرطين :

    أوّلهما : أن لا يكون معها راع .

    والآخر : أن تسرح بعيداً عن المزارع ، وإلاّ فعلى الرّاعي الضّمان .

    وإن أتلفت البهيمة غير الزّرع والشّجر من الأنفس والأموال ، لم يضمنه مالكها ، ليلاً كان أو نهاراً ، ما لم تكن يده عليها ، واستدلّوا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : » العجماء جبار « ويروى » العجماء جرحها جبار « ومعنى جبار : هدر .

    وقيّد المالكيّة ، عدم ضمان ذلك ليلاً ، بما إذا لم يقصّر في حفظها ، ولم يكن من فعل من معها ، ففي المدوّنة : من قاد قطاراً فهو ضامن لما وطئ البعير ، في أوّل القطار أو آخره ، وإن نفحت رجلاً بيدها أو رجلها ، لم يضمن القائد إلاّ أن يكون ذلك من شيء فعله بها . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الحيوان إذا أتلف مالاً أو نفساً ، فلا ضمان على صاحبه مطلقاً ، سواء أوقع ذلك في ليل أم في نهار .

    وذلك لحديث : » العجماء جبار « المتقدّم آنفاً .

    لكن قيّدها محمّد بن الحسن ، بالمنفلتة المسيّبة حيث تسيّب الأنعام ، كما هو الشّأن في البراري ، فهذه الّتي جرحها هدر وهذا ما ذكره الطّحاويّ فقد فرّق بين ما إذا كان معها حافظ فيضمن ، وبين ما إذا لم يكن معها حافظ ، فلا يضمن ، وروى في ذلك آثاراً .

    ولأنّه لا صنع له في نفارها وانفلاتها ، ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها ، فالمتولّد منه لا يكون مضموناً .

    وأثار المالكيّة - هنا - مسألة ما لو كان الحيوان ممّا لا يمكن الاحتراز منه ، ولا حراسته كحمام ، ونحل ، ودجاج يطير .

    فذهب ابن حبيب - وهو رواية مطرّف عن مالك - إلى أنّه يمنع أربابها من اتّخاذه ، إن آذى النّاس .

    وذهب ابن القاسم وابن كنانة وأصبغ إلى أنّهم لا يمنعون من اتّخاذه ، ولا ضمان عليهم فيما أتلفته من الزّرع ، وعلى أرباب الزّرع والشّجر حفظها .

    وصوّب ابن عرفة الأوّل ، لإمكان استغناء ربّها عنها ، وضرورة النّاس للزّرع والشّجر . ويؤيّده - كما قال الدّسوقيّ - قاعدة ارتكاب ، أخفّ الضّررين عند التّقابل ، لكن قال : ولكن المعتمد - كما قال شيخنا - قول ابن قاسم .

    والاتّجاهان كذلك عند الحنفيّة والشّافعيّة .

    شروط ضمان جناية الحيوان :

    بدا ممّا تقدّم اتّفاق الفقهاء على تضمين جناية الحيوان ، كلّما كان معها راكب أو حافظ ، أو ذو يد ، ولا بدّ حينئذ من توفّر شروط الضّمان العامّة المتقدّمة : من الضّرر والتّعدّي والإفضاء .

    فالضّرر يستوي فيه الواقع على النّفوس أو الأموال ، وصرّح العينيّ بأنّ حديث : » العجماء جبار « المتقدّم ، محتمل لأن تكون الجناية على الأبدان أو الأموال ، وذكر أنّ الأوّل أقرب إلى الحقيقة ، لما ورد في الصّحيحين بلفظ : » العجماء جرحها جبار « .

    والتّعدّي بمجاوزة ذي اليد في استعمال الدّابّة ، فحيث استعملها في حدود حقّه ، في ملكه ، أو المحلّ المعدّ للدّوابّ أو أدخلها ملك غيره بإذنه ، فأتلفت نفساً أو مالاً ، لا ضمان عليه إذ لا ضمان مع الإذن بخلاف ما لو كان ذلك بغير إذن المالك أو أوقفها في محلّ لم يعدّ لوقوف الحيوانات ، أو في طريق المسلمين ، فإنّه يكون ضامناً لما تتلفه حينئذ إذ كلّ من فعل فعلاً لم يؤذن له فيه ضمن ما تولّد منه .

    والأصل في هذا حديث النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » من أوقف دابّةً في سبيل من سبل المسلمين أو في سوق من أسواقهم ، فأوطأت بيد أو رجل ، فهو ضامن « .

    وعلّله الرّمليّ ، نقلاً عن القاضي ، بأنّ الرّبط جناية ، فما تولّد منه ضمنه .

    وأمّا الإفضاء ، وهو وصول الضّرر مباشرةً أو تسبّباً ، فإنّ فعل الحيوان لا يوصف بمباشرة أو تسبيب ، لأنّه ليس ممّا يصحّ إضافة الحكم إليه ، وإنّما يوصف بذلك صاحبه ، فتطبّق القاعدة العامّة : أنّ المباشر ضامن وإن لم يتعدّ ، والمتسبّب لا يضمن إلاّ بالتّعدّي . ويعتبر ذو اليد على الحيوان ، وصاحبه مباشراً إذا كان راكباً في ملكه أو في ملك غيره ، ولو بإذنه أو في طريق العامّة ، فيضمن ما يحدثه بتلفه ، وإن لم يتعدّ .

    فراكب الدّابّة يضمن ما وطئته برجلها ، أو يدها - كما يقول الكاسانيّ - أي ومات لوجود الخطأ في هذا القتل ، وحصوله على سبيل المباشرة لأنّ ثقل الرّاكب على الدّابّة ، والدّابّة آلة له ، فكان القتل الحاصل بثقلها مضافاً إلى الرّاكب ، والرّديف والرّاكب سواء ، وعليهما الكفّارة ، ويحرمان من الميراث والوصيّة ، لأنّ ثقلهما على الدّابّة ، والدّابّة آلة لهما ، فكانا قاتلين على طريق المباشرة .

    ولو كدمت أو صدمت ، فهو ضامن ، ولا كفّارة ولا حرمان ، لأنّه قتل بسبب .

    ولو أصابت ومعها سائق وقائد ، فلا كفّارة ولا حرمان ، لأنّه قتل تسبيباً لا مباشرةً ، بخلاف الرّاكب والرّديف .

    وهذا خلاف ما في مجمع الأنهر ، حيث نصّ على أنّ الرّاكب في ملكه لا يضمن شيئاً ، لأنّه غير متعدّ ، بخلاف ما إذا كان في طريق العامّة ، فيضمن للتّعدّي .

    ومثال ما لو أتلفت شيئاً بتسبيب صاحبها : ما لو أوقفها في ملك غيره ، فجالت في رباطها، حيث طال الرّسن فأتلفت شيئاً ، ضمن ، لأنّه ممسكها في أيّ موضع ذهبت ، ما دامت في موضع رباطها .

    فقد وجد شرط الضّمان بالتّسبيب بالتّعدّي ، وهو الرّبط في ملك غيره .

    ومثال اجتماع المباشرة والتّسبيب ، حيث تقدّم المباشرة ، ما لو ربط بعيراً إلى قطار ، والقائد لا يعلم ، فوطئ البعير المربوط إنساناً ، فقتله ، فعلى عاقلة القائد الدّية ، لعدم صيانة القطار عن ربط غيره ، فكان متعدّياً - مقصّراً - لكن يرجع على عاقلة الرّابط ، لأنّه هو الّذي أوقعه في هذه العهدة .

    وإنّما لم يجب الضّمان عليه ابتداءً ، وكلّ منهما متسبّب ، لأنّ الرّبط ، من القود ، بمنزلة التّسبيب من المباشرة ، لاتّصال التّلف بالقود دون الرّبط .

    ومثال ما إذا لم يكن مباشراً ولا متسبّباً ، حيث لا يضمن ، ما إذا قتل سنّوره حمامةً فإنّه لا يضمن ، لحديث : » العجماء جرحها جبار « المتقدّم آنفاً .

    والأصحّ عند الشّافعيّة أنّ الهرّة إن أتلفت طيراً أو طعاماً ليلاً أونهاراً ضمن مالكها إن عهد ذلك منها ، وإلاّ فلا يضمن في الأصحّ .

    ومن مشمولات الإفضاء : التّعمّد ، كما لو ألقى هرّةً على حمامة أو دجاجة ، فأكلتها ضمن لو أخذتها برميه وإلقائه ، لا لو بعده .

    ويضمن بإشلاء كلبه ، لأنّه بإغرائه يصير آلةً لعقره ، فكأنّه ضربه بسيفه .

    ومن مشمولاته التّسبّب بعدم الاحتراز : فالأصل : أنّ المرور بطريق المسلمين مباح ، بشرط السّلامة ، فيما يمكن الاحتراز منه ، لا فيما لا يمكن الاحتراز منه ، فلو أوقف دابّته في الطّريق ضمن ما نفحته ، لأنّ بإمكانه الاحتراز من الإيقاف ، وإن لم يمكن الاحتراز من النّفحة ، فصار متعدّياً بالإيقاف وشغل الطّريق به .

    بخلاف ما لو أصابت بيدها أو رجلها حصاةً ، أو أثارت غباراً ، ففقأت الحصاة عين إنسان ، أو أفسد الغبار ثوب إنسان فإنّه لا يضمن لأنّه لا يمكن الاحتراز منه ، لأنّ سير الدّوابّ لا يخلو عنه .

    وللحنابلة والشّافعيّة تفصيل وخلاف في الطّريق الواسع .

    والضّامن لجناية الحيوان ، لم يقيّد في النّصوص الفقهيّة ، بكونه مالكاً أو غيره ، بل هو ذو اليد ، القابض على زمامه ، القائم على تصريفه ، ولو لم يكن مالكاً ، ولو لم يحلّ له الانتفاع به ، ويشمل هذا السّائس والخادم .

    قال النّوويّ : إنّ الضّمان يجب في مال الّذي هو معها ، سواء كان مالكاً أو مستأجراً أو مستعيراً ، أو غاصباً أو مودعاً ، أو وكيلاً أو غيره .

    ويقول الشّرقاويّ في جناية الدّابّة : لا تتعلّق برقبتها ، بل بذي اليد عليها .

    ولو تعدّد واضعو اليد على الحيوان ، فالضّمان - فيما يبدو من النّصوص - على الأقوى يداً ، والأكثر قدرةً على التّصرّف ، وعند الاستواء يكون الضّمان عليهما .

    قال الكاسانيّ : وإن كان أحدهما سائقاً ، والآخر قائداً ، فالضّمان عليهما لأنّهما اشتركا في التّسبيب ، فيشتركان في الضّمان ، وكذلك إذا كان أحدهما سائقاً والآخر راكباً أو كان أحدهما قائداً والآخر راكباً ، فالضّمان عليهما ، لوجود سبب الضّمان من كلّ واحد منهما ، إلاّ أنّ الكفّارة تجب على الرّاكب وحده ، فيما لو وطئت دابّته إنساناً فقتلته ، لوجود القتل منه وحده مباشرةً ، وإن كان الحصكفيّ صحّح عدم تضمين السّائق ، لأنّ الإضافة إلى المباشر أولى ، لكن السّبب - هنا - ممّا يعمل بانفراده ، فيشتركان كما حقّقه ونقله ابن عابدين .

    وقال ابن قدامة : فإن كان على الدّابّة راكبان ، فالضّمان على الأوّل منهما ، لأنّه المتصرّف فيها ، القادر على كفّها ، إلاّ أن يكون الأوّل منهما صغيراً أو مريضاً أو نحوهما ، ويكون الثّاني المتولّي لتدبيرها ، فيكون الضّمان عليه .

    وإن كان مع الدّابّة قائد وسائق ، فالضّمان عليهما ، لأنّ كلّ واحد منهما لو انفرد ضمن ، فإذا اجتمعا ضمنا ، وإن كان معهما أو مع أحدهما راكب ، ففيه وجهان :

    أحدهما : أنّ الضّمان عليهما جميعاً ، لذلك .

    والآخر : أنّه على الرّاكب ، لأنّه أقوى يداً وتصرّفاً .

    ويحتمل أن يكون على القائد لأنّه لا حكم للرّاكب على القائد .

    ب - ضمان جناية الحيوان الخطر :

    ويتمثّل في الكبش النّطوح ، والجمل العضوض ، والفرس الكدوم ، والكلب العقور ، كما يتمثّل في الحشرات المؤذية ، والحيّة والعقرب ، والحيوانات الوحشيّة المفترسة ، وسباع البهائم ، كالأسد والذّئب ، وسباع الطّير كالحدأة والغراب ، وفيها مذاهب للفقهاء : مذهب الحنفيّة هو ضمان ما يتلفه الحيوان الخطر ، من مال أو نفس إذا وجد من مالكه إشلاء أو إغراء أو إرسال ، وهو قول أبي يوسف ، الّذي أوجب الضّمان في هذا كلّه ، احتياطاً لأموال النّاس خلافاً لأبي حنيفة ، والّذي أفتوا به هو : الضّمان بعد الإشلاء كالحائط المائل ، في النّفس والمال كما في الإغراء .

    وعلّل الضّمان بالإشلاء ، بأنّه بالإغراء . يصير الكلب آلةً لعقره ، فكأنّه ضربه بحدّ سيفه . وفي مذهب مالك تفصيل ذكره الدّسوقيّ ، وهو : إذا اتّخذ الكلب العقور ، بقصد قتل إنسان معيّن وقتله فالقود ، أنذر عن اتّخاذه أو لا .

    وإن قتل غير المعيّن فالدّية ، وكذلك إن اتّخذه لقتل غير المعيّن ، وقتل شخصاً فالدّية ، أنذر أم لا .

    وإن اتّخذه لوجه جائز فالدّية إن تقدّم له إنذار قبل القتل ، وإلاّ فلا شيء عليه .

    وإن اتّخذه لا لوجه جائز ضمن ما أتلف ، تقدّم له فيه إنذار أم لا ، حيث عرف أنّه عقور ، وإلاّ لم يضمن ، لأنّ فعله حينئذ كفعل العجماء .

    وذهب الحنابلة إلى أنّ الحيوان الخطر ينبغي أن يربط ويكفّ شرّه ، كالكلب العقور ، وكالسّنّور إذا عهد منه إتلاف الطّير أو الطّعام ، فإذا أطلق الكلب العقور أو السّنّور ، فعقر إنساناً ، أو أتلف طعاماً أو ثوباً ، ليلاً أو نهاراً ، ضمن ما أتلفه ، لأنّه مفرّط باقتنائه وإطلاقه إلاّ إذا دخل داره إنسان بغير إذنه ، فعقره ، فلا ضمان عليه ، لأنّه متعدّ بالدّخول ، متسبّب بعدم الاستئذان لعقر الكلب له ، فإن دخل بإذن المالك فعليه ضمانه ، لأنّه تسبّب إلى إتلافه .

    وكذلك إذا اقتنى سنّوراً ، يأكل أفراخ النّاس ، ضمن ما أتلفه كالكلب العقور ، وهذا - هو الأصحّ - عند الشّافعيّة ، كلّما عهد ذلك منه ليلاً أو نهاراً ، قال المحلّيّ : لأنّ هذه الهرّة ينبغي أن تربط ويكفّ شرّها .

    أمّا ما يتلفه الكلب العقور لغير العقر ، كما لو ولغ في إناء ، أو بال ، فلا يضمن ، لأنّ هذا لا يختصّ به الكلب العقور .


  7. #7
    رقم العضوية : 3562
    المشاركات : 4,030
    التقييم : 10
    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء السابع



    رابعاً : ضمان سقوط المباني :

    بحث الفقهاء موضوع سقوط المباني وضمانها بعنوان : الحائط المائل .

    ويتناول القول في ضمان الحائط ، ما يلحق به ، من الشّرفات والمصاعد والميازيب والأجنحة ، إذا شيّدت مطلّةً على ملك الآخرين أو الطّريق العامّ وما يتّصل بها من أحكام . وقد ميّز الفقهاء ، بين ما إذا كان البناء أو الحائط أو نحوه ، مبنيّاً من الأصل متداعياً ذا خلل ، أو مائلاً ، وبين ما إذا كان الخلل طارئاً ، فهما حالتان :

    الحالة الأولى : الخلل الأصليّ في البناء :

    هو الخلل الموجود في البناء ، منذ الإنشاء ، كأن أنشئ مائلاً إلى الطّريق العامّ أو أشرع الجناح أو الميزاب أو الشّرفة ، بغير إذن ، أو أشرعه في غير ملكه .

    قال الحنفيّة والمالكيّة إن سقط البناء في هذه الحال ، فأتلف إنساناً أو حيواناً أو مالاً ، كان ذلك مضموناً على صاحبه ، مطلقاً من غير تفصيل ، ومن غير إشهاد ولا طلب ، لأنّ في البناء تعدّياً ظاهراً ثابتاً منذ الابتداء وذلك بشغل هواء الطّريق بالبناء ، وهواء الطّريق كأصل الطّريق حقّ المارّة ، فمن أحدث فيه شيئاً ، كان متعدّياً ضامناً .

    والشّافعيّة لا يفرّقون في الضّمان ، بين أن يأذن الإمام في الإشراع أو لا ، لأنّ الانتفاع بالشّارع مشروط بسلامة العاقبة ، بأن لا يضرّ بالمارّة ، وما تولّد منه مضمون ، وإن كان إشراعاً جائزاً .

    لكن ما تولّد من الجناح ، في درب منسدّ ، بغير إذن أهله ، مضمون ، وبإذنهم لا ضمان فيه.

    وقال الحنابلة : وإذا بنى في ملكه حائطاً مائلاً إلى الطّريق ، أو إلى ملك غيره ، فتلف به شيء أو سقط على شيء فأتلفه ضمنه ، لأنّه متعدّ بذلك ، فإنّه ليس له الانتفاع بالبناء في هواء ملك غيره ، أو هواء مشترك ، ولأنّه يعرّضه للوقوع على غيره في غير ملكه ، فأشبه ما لو نصب فيه منجلاً يصيد به .

    الحالة الثّانية : الخلل الطّارئ :

    إذا أنشئ البناء مستقيماً ثمّ مال ، أو سليماً ثمّ تشقّق ووقع ، وحدث بسبب وقوعه تلف ، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة - استحساناً - والمالكيّة ، وهو المختار عند الحنابلة ، والمرويّ عن عليّ رضي الله عنه وشريح والنّخعيّ والشّعبيّ وغيرهم من التّابعين إلى أنّه يضمن ما تلف به ، من نفس أو حيوان أو مال إذا طولب صاحبه بالنّقض ، وأشهد عليه ، ومضت مدّة يقدر على النّقض خلالها ، ولم يفعل .

    وهذا قول عند الشّافعيّة ، فقد قالوا : إن أمكنه هدمه أو إصلاحه ، ضمن ، لتقصيره بترك النّقض والإصلاح

    والقياس عند الحنفيّة عدم الضّمان ، لأنّه لم يوجد من المالك صُنْعٌ هو تعدّ ، لأنّ البناء كان في ملكه مستقيماً ، والميلان وشغل الهواء ليس من فعله ، فلا يضمن ، كما إذا لم يشهد عليه ، ولما قالوه في هذه المسألة : ومن قتله الحجر ، بغير فعل البشر ، فهو بالإجماع هدر .

    ووجه الاستحسان : ما روي عن الأئمّة من الصّحابة والتّابعين المذكورين ، وأنّ الحائط لمّا مال فقد شغل هواء الطّريق بملكه ، ورفعه بقدرة صاحبه ، فإذا تقدّم إليه وطولب بتفريغه لزمه ذلك ، فإذا امتنع مع تمكّنه صار متعدّياً .

    ولأنّه لو لم يضمن يمتنع من الهدم ، فينقطع المارّة خوفاً على أنفسهم ، فيتضرّرون به ، ودفع الضّرر العامّ من الواجب ، وكم من ضرر خاصّ يتحمّل لدفع العامّ .

    ومع ذلك فقد نصّ الحنفيّة على أنّ الشّرط هو التّقدّم ، دون الإشهاد ، لأنّ المطالبة تتحقّق ، وينعدم به معنى العذر في حقّه ، وهو الجهل بميل الحائط .

    أمّا الإشهاد فللتّمكّن من إثباته عند الإنكار ، فكان من باب الاحتياط .

    والمالكيّة يشترطون الإشهاد مع الإنذار ، فإذا انتفى الإنذار والإشهاد فلا ضمان ، إلاّ أن يعترف بذلك مع تفريطه فيضمن ، كما أنّ الإشهاد المعتبر عندهم يكون عند الحاكم ، أو جماعة المسلمين ولو مع إمكان الإشهاد عند الحاكم .

    وشروط التّقدّم أو الإنذار هي : ومعنى التّقدّم : طلب النّقض ممّن يملكه ، وذلك بأن يقول المتقدّم : إنّ حائطك هذا مخوف ، أو يقول : مائل فانقضه أو اهدمه ، حتّى لا يسقط ولا يتلف شيئاً ، ولو قال : ينبغي أن تهدمه ، فذلك مشورة .

    أ - أن يكون التّقدّم ممّن له حقّ مصلحة في الطّلب .

    وفرّقوا في هذا : بين ما إذا كان الحائط مائلاً إلى الطّريق العامّ ، وبين ما إذا كان مائلاً إلى ملك إنسان .

    ففي الصّورة الأولى : يصحّ التّقدّم من كلّ مكلّف ، مسلم أو غيره ، وليس للمتقدّم ولا للقاضي حقّ إبراء صاحب الحائط ، ولا تأخيره بعد المطالبة ، لأنّه حقّ العامّة ، وتصرّفه في حقّ العامّة نافذ - كما يقول الحصكفيّ نقلاً عن الذّخيرة - فيما ينفعهم ، لا فيما يضرّهم . وفي الصّورة الثّانية : لا يصحّ التّقدّم إلاّ من المالك الّذي شغل الحائط هواء ملكه ، كما أنّ له حقّ الإبراء والتّأخير .

    وذهب الشّافعيّة إلى عدم الضّمان مطلقاً بسقوط البناء ، إذا مال بعد بنائه مستقيماً ولو تقدّم إليه ، وأشهد عليه .

    قال النّوويّ : إن لم يتمكّن من هدمه وإصلاحه ، فلا ضمان قطعاً ، وكذا إن تمكّن على الأصحّ . ولا فرق بين أن يطالبه الوالي أو غيره بالنّقض ، وبين أن لا يطالب ، وهذا هو القياس ، كما تقدّم ، ووجهه : أنّه بنى في ملكه ، والهلاك حصل بغير فعله ، وأنّ الميل نفسه لم يحصل بفعله ، وأنّ ما كان أوّله غير مضمون ، لا ينقلب مضموناً بتغيير الحال . وذهب بعض الحنابلة ، وهو قول ابن أبي ليلى وأبي ثور وإسحاق ، إلى أنّه يضمن ما تلف به وإن لم يطالب بالنّقض ، وذلك لأنّه متعدّ بتركه مائلاً ، فضمن ما تلف به ، كما لو بناه مائلاً إلى ذلك ابتداءً ، ولأنّه لو طولب بنقضه فلم يفعل ضمن ما تلف ، ولو لم يكن ذلك موجباً للضّمان لم يضمن بالمطالبة ، كما لو لم يكن مائلاً ، أو كان مائلاً إلى ملكه .

    لكن نصّ أحمد ، هو عدم الضّمان - كما يقول ابن قدامة - أمّا لو طولب بالنّقض ، فقد توقّف فيه أحمد ، وذهب بعض الأصحاب إلى الضّمان فيه .

    أمّا الضّمان الواجب بسقوط الأبنية ، عند القائلين به ، فهو :

    أ - أنّ ما تلف به من النّفوس ، ففيه الدّية على عاقلة مالك البناء .

    ب - وما تلف به من الأموال فعلى مالك البناء ، لأنّ العاقلة لا تعقل المال .

    ج - ولا تجب على المالك الكفّارة - عند الحنفيّة - ولا يحرم من الميراث والوصيّة ، لأنّه قتل بسبب ، وذلك لعدم القتل مباشرةً ، وإنّما ألحق بالمباشر في الضّمان ، صيانةً للدّم عن الهدر ، على خلاف الأصل ، فبقي في الكفّارة وحرمان الميراث على الأصل .

    وعند الشّافعيّة والجمهور : هو ملحق بالخطأ في أحكامه ، إذ لا قتل بسبب عندهم ، ففيه الكفّارة ، وفيه الحرمان من الميراث والوصيّة ، لأنّ الشّارع أنزله منزلة القاتل .

    خامساً : ضمان التّلف بالأشياء :

    أكثر ما يعرض التّلف بالأشياء ، بسبب إلقائها في الطّرقات والشّوارع ، أو بسبب وضعها في غير مواضعها المخصّصة لها .

    ويمكن تقسيم الأشياء إلى خطرة ، وغير خطرة ، أي عاديّة .

    القسم الأوّل : ضمان التّلف الحاصل بالأشياء العاديّة غير الخطرة :

    يردّ الفقهاء مسائل التّلف الحاصل بالأشياء العاديّة ، غير الخطرة ، إلى هذه القواعد والأصول :

    الأوّل : كلّ موضع يجوز للواضع أن يضع فيه أشياءه لا يضمن ما يترتّب على وضعها فيه من ضرر ، لأنّ الجواز الشّرعيّ ينافي الضّمان .

    الثّاني : كلّ موضع لا يجوز له أن يضع فيه أشياءه يضمن ما ينشأ عن وضعها فيه من أضرار ، ما دامت في ذلك الموضع ، فإن زالت عنه لم يضمن .

    الثّالث : كلّ من فعل فعلاً لم يؤذن له فيه ، ضمن ما تولّد عنه من ضرر .

    الرّابع : أنّ المرور في طريق المسلمين مباح ، بشرط السّلامة فيما يمكن الاحتراز عنه . الخامس : أنّ المتسبّب ضامن إذا كان متعدّياً ، وإلاّ لا يضمن ، والمباشر ضامن مطلقاً . ومن الفروع الّتي انبثقت منها هذه الأصول :

    أ - من وضع جرّةً أو شيئاً في طريق لا يملكه فتلف به شيء ضمن ، ولو زال ذلك الشّيء الموضوع أوّلاً إلى موضع آخر - غير الطّريق - فتلف به شيء ، برئ واضعه ولم يضمن.

    ب - لو قعد في الطّريق ليبيع ، فتلف بقعدته شيء : فإن كان قعد بإذن الإمام لا يضمنه ، وإن كان بغير إذنه يضمنه وللحنابلة قولان في الضّمان .

    ج - ولو وضع جرّةً على حائط ، فأهوت بها الرّيح ، وتلف بوقوعها شيء ، لم يضمن ، إذ انقطع أثر فعله بوضعه ، وهو غير متعدّ في هذا الوضع بأن وضعت الجرّة وضعاً مأموناً ، فلا يضاف إليه التّلف .

    د - لو حمل في الطّريق شيئاً على دابّته أو سيّارته ، فسقط المحمول على شيء فأتلفه أو اصطدم بشيء فكسره ، ضمن الحامل ، لأنّ الحمل في الطّريق مباح بشرط السّلامة ، ولأنّه أثر فعله .

    ولو عثر أحد بالحمل ضمن ، لأنّه هو الواضع ، فلم ينقطع أثر فعله .

    هـ – لو ألقى في الطّريق قشراً ، فزلقت به دابّة ، ضمن ، لأنّه غير مأذون فيه ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ، ومقابل الصّحيح عندهم : أنّه غير مضمون ، لجريان العادة بالمسامحة في طرح ما ذكر .

    وكذا لو رشّ في الطّريق ماءً ، فتلفت به دابّة ، ضمن ، وقال القليوبيّ : إنّه غير مضمون إذا كان لمصلحة عامّة ، ولم يجاوز العادة ، وإلاّ فهو مضمون على الرّاشّ ، لأنّه المباشر .

    القسم الثّاني : ضمان التّلف بالأشياء الخطرة :

    روى أبو موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم » إذا مرّ أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ، ومعه نبل ، فليمسك على نصالها - أو قال : فليقبض بكفّه - أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء « .

    وفي الفروع : لو انفلتت فأس من يد قصّاب ، كان يكسر العظم ، فأتلف عضو إنسان ، يضمن ، وهو خطأ

    ولا تعليل للضّمان في هذه المسألة إلاّ التّقصير في رعاية هذه الآلة الحادّة ، وعدم الاحتراز أثناء الاستعمال ، فاستدلّ بوقوع الضّرر على التّعدّي ، وأقيم مقامه .

    وقال الحنفيّة : إنّ ذا اليد على الأشياء الخطرة يضمن من الأضرار المترتّبة عليها ما كان بفعله ، ولا يضمن ما كان بغير فعله . ومن نصوصهم :

    أ - لو خرج البارود من البندقيّة بفعله ، فأصاب آدميّاً أو مالاً ضمن ، قياساً على ما لو طارت شرارة من ضرب الحدّاد ، فأصابت ثوب مارّ في الطّريق ، ضمن الحدّاد .

    ب - ولو هبّت الرّيح فحملت ناراً ، وألقتها على البندقيّة ، فخرج البارود ، لا ضمان .

    ج - ولو وقع الزّند المتّصل بالبندقيّة المجرّبة ، الّتي تستعمل في زماننا ، على البارود بنفسه ، فخرجت رصاصتها ، أو ما بجوفها ، فأتلف مالاً أو آدميّاً ، فإنّه لا ضمان .

    ضمان الاصطدام :

    تناول الفقهاء حوادث الاصطدام ، وميّزوا بين اصطدام الإنسان والحيوان ، وبين اصطدام الأشياء كالسّفن ونحوها .

    أوّلاً : اصطدام الإنسان :

    ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا اصطدم الفارسان خطأً وماتا منه ضمنت عاقلة كلّ فارس دية الآخر إذا وقعا على القفا ، وإذا وقعا على وجوههما يهدر دمهما .

    ولو كانا عامدين فعلى عاقلة كلّ نصف الدّية ، ولو وقع أحدهما على وجهه هدر دمه فقط . وإذا تجاذب رجلان حبلاً فانقطع الحبل ، فسقطا على القفا وماتا هدر دمهما ، لموت كلّ بقوّة نفسه ، فإن وقعا على الوجه وجب دية كلّ واحد منهما على الآخر ، لموته بقوّة صاحبه . وعند المالكيّة : إن تصادم مكلّفان عمداً ، أو تجاذبا حبلاً فماتا معاً ، فلا قصاص ولا دية وإن مات أحدهما فقط فالقود .

    وإن تصادما خطأً فماتا ، فدية كلّ واحد منهما على عاقلة الآخر ، وإن مات أحدهما فديته على من بقي منها .

    وإن كان التّجاذب لمصلحة فلا قصاص ولا دية ، كما يقع بين صنّاع الحبال فإذا تجاذب صانعان حبلاً لإصلاحه فماتا أو أحدهما فهو هدر .

    ولو تصادم الصّبيّان فماتا ، فدية كلّ واحد منهما على عاقلة الآخر ، سواء حصل التّصادم أو التّجاذب بقصد أو بغير قصد ، لأنّ فعل الصّبيان عمداً حكمه كالخطأ .

    وذهب الشّافعيّة : إلى أنّه إذا اصطدم شخصان - راكبان أو ماشيان ، أو راكب وماش طويل- بلا قصد ، فعلى عاقلة كلّ منهما نصف دية مخفّفة ، لأنّ كلّ واحد منهما هلك بفعله، وفعل صاحبه ، فيهدر النّصف ، ولأنّه خطأ محض ، ولا فرق بين أن يقعا منكبّين أو مستلقيين ، أو أحدهما منكبّاً والآخر مستلقياً .

    وإن قصدا الاصطدام فنصف الدّية مغلّظةً على عاقلة كلّ منهما لورثة الآخر ، لأنّ كلّ واحد منهما هلك بفعله وفعل صاحبه ، فيهدر النّصف ، ولأنّ القتل حينئذ شبه عمد فتكون الدّية مغلّظةً ، ولا قصاص إذا مات أحدهما دون الآخر ، لأنّ الغالب أنّ الاصطدام لا يفضي إلى الموت .

    والصّحيح أنّ على كلّ منهما في تركته كفّارتين : إحداهما لقتل نفسه ، والأخرى لقتل صاحبه ، لاشتراكهما في إهلاك نفسين ، بناءً على أنّ الكفّارة لا تتجزّأ .

    وفي تركة كلّ منهما نصف قيمة دية الآخر ، لاشتراكهما في الإتلاف ، مع هدر فعل كلّ منهما في حقّ نفسه

    ولو تجاذبا حبلاً فانقطع وسقطا وماتا ، فعلى عاقلة كلّ منهما نصف دية الآخر ، سواء أسقطا منكبّين أم مستلقيين ، أم أحدهما منكبّاً والآخر مستلقياً ، وإن قطعه غيرهما فديتهما على عاقلته .

    وذهب الحنابلة إلى أنّه إذا اصطدم الفارسان ، فعلى كلّ واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من الآخر من نفس أو دابّة أو مال ، سواء كانا مقبلين أم مدبرين ، لأنّ كلّ واحد منهما مات من صدمة صاحبه وإنّما هو قربها إلى محلّ الجناية ، فلزم الآخر ضمانها كما لو كانت واقفةً إذا ثبت هذا ، فإنّ قيمة الدّابّتين إن تساوتا تقاصّا وسقطتا ، وإن كانت إحداهما أكثر من الأخرى فلصاحبها الزّيادة ، وإن ماتت إحدى الدّابّتين فعلى الآخر قيمتها ، وإن نقصت فعليه نقصها .

    فإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر ، فأدركه الثّاني فصدمه فماتت الدّابّتان ، أو إحداهما فالضّمان على اللاحق ، لأنّه الصّادم والآخر مصدوم ، فهو بمنزلة الواقف .

    وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفاً ، فعلى السّائر قيمة دابّة الواقف ، نصّ أحمد على هذا لأنّ السّائر هو الصّادم المتلف ، فكان الضّمان عليه وإن مات هو أو دابّته فهو هدر ، لأنّه أتلف نفسه ودابّته ، وإن انحرف الواقف فصادفت الصّدمة انحرافه فهما كالسّائرين ، لأنّ التّلف حصل من فعلهما ، وإن كان الواقف متعدّياً بوقوفه ، مثل أن يقف في طريق ضيّق فالضّمان عليه دون السّائر ، لأنّ التّلف حصل بتعدّيه فكان الضّمان عليه ، كما لو وضع حجراً في الطّريق ، أو جلس في طريق ضيّق فعثر به إنسان .

    وإن تصادم نفسان يمشيان فماتا ، فعلى عاقلة كلّ واحد منهما دية الآخر ، روي هذا عن عليّ رضي الله عنه والخلاف - هاهنا - في الضّمان كالخلاف فيما إذا اصطدم الفارسان ، إلاّ أنّه لا تقاصّ - هاهنا - في الضّمان ، لأنّه على غير من له الحقّ ، لكون الضّمان على عاقلة كلّ واحد منهما ، وإن اتّفق أن يكون الضّمان على من له الحقّ مثل أن تكون العاقلة هي الوارثة ، أو يكون الضّمان على المتصادمين تقاصّا ، ولا يجب القصاص سواء كان اصطدامهما عمداً أو خطأً ، لأنّ الصّدمة لا تقتل غالباً ، فالقتل الحاصل بها مع العمد عمد الخطأ .

    ثانياً : اصطدام الأشياء :

    السّفن والسّيّارات :

    قال الفقهاء : إذا كان الاصطدام بسبب قاهر أو مفاجئ ، كهبوب الرّيح أو العواصف، فلا ضمان على أحد .

    وإذا كان الاصطدام بسبب تفريط أحد ربّاني السّفينتين - أو قائدي السّيّارتين - كان الضّمان عليه وحده .

    ومعيار التّفريط - كما يقول ابن قدامة - أن يكون الرّبّان - وكذلك القائد - قادراً على ضبط سفينته - أو سيّارته - أو ردّها عن الأخرى ، فلم يفعل ، أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى فلم يفعل ، أو لم يكمل آلتها من الحبال والرّجال وغيرها .

    وإذا كانت إحدى السّفينتين واقفةً ، والأخرى سائرةً ، فلا شيء على الواقفة ، وعلى السّائرة ضمان الواقفة ، إن كان القيّم مفرّطاً .

    وإذا كانتا ماشيتين متساويتين ، بأن كانتا في بحر أو ماء راكد ، ضمن المفرّط سفينة الآخر، بما فيها من مال أو نفس .

    أمّا إذا كانتا غير متساويتين ، بأن كانت إحداهما منحدرةً ، والأخرى صاعدةً فعلى المنحدر ضمان الصّاعدة ، لأنّها تنحدر عليها من علوّ ، فيكون ذلك سبباً في غرقها ، فتنزل المنحدرة منزلة السّائرة ، والصّاعدة منزلة الواقفة ، إلاّ أن يكون التّفريط من المصعد فيكون، الضّمان عليه ، لأنّه المفرّط .

    وقال الشّافعيّة في اصطدام السّفن : السّفينتان كالدّابّتين ، والملاحان كالرّاكبين إن كانتا لهما.

    وأطلق ابن جزيّ قوله : إذا اصطدم مركبان في جريهما ، فانكسر أحدهما أو كلاهما ، فلا ضمان في ذلك .


  8. #8
    رقم العضوية : 3562
    المشاركات : 4,030
    التقييم : 10
    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء الثامن



    انتفاء الضّمان :

    ينتفي الضّمان - بوجه عامّ - بأسباب كثيرة ، من أهمّها :

    أ - دفع الصّائل :

    يشترط في دفع الصّائل ، لانتفاء الإثم وانتفاء الضّمان - بوجه عامّ - ما يلي :

    1 - أن يكون الصّول حالاً ، والصّائل شاهراً سلاحه أو سيفه ، ويخاف منه الهلاك ، بحيث لا يمكن المصول عليه ، أن يلجأ إلى السّلطة ليدفعه عنه .

    2 - أن يسبقه إنذار وإعلام للصّائل ، إذا كان ممّن يفهم الخطاب كالآدميّ ، وذلك بأن يناشده اللّه ، فيقول : ناشدتك اللّه إلاّ ما خلّيت سبيلي ، ثلاث مرّات ، أو يعظه ، أو يزجره لعلّه ينكفّ ، فأمّا غيره ، كالصّبيّ والمجنون - وفي حكمهما البهيمة - فإنّ إنذارهم غير مفيد ، وهذا ما لم يعاجل بالقتال ، وإلاّ فلا إنذار ، قال الخرشيّ : والظّاهر أنّ الإنذار مستحبّ ، وهو الّذي قاله الدّردير : بعد الإنذار ندباً .

    وقال الغزاليّ : ويجب تقديم الإنذار ، في كلّ دفع ، إلاّ في مسألة النّظر إلى حرم الإنسان من كوّة .

    3 - كما يشترط أن يكون الدّفع على سبيل التّدرّج : فما أمكن دفعه بالقول لا يدفع بالضّرب، وما أمكن دفعه بالضّرب لا يدفع بالقتل ، وذلك تطبيقاً للقواعد الفقهيّة المقرّرة في نحو هذا ، كقاعدة الضّرر الأشدّ يزال بالضّرر الأخفّ .

    4 - وشرط المالكيّة أن لا يقدر المصول عليه على الهروب ، من غير مضرّة تحصل له ، فإن كان يقدر على ذلك بلا مضرّة ولا مشقّة تلحقه ، لم يجز له قتل الصّائل ، بل ولا جرحه، ويجب هربه منه ارتكاباً لأخفّ الضّررين .

    الضّمان في دفع الصّائل :

    ذهب الجمهور إلى أنّه إن أدّى دفع الصّائل إلى قتله ، فلا شيء على الدّافع .

    ب - حال الضّرورة :

    الضّرورة : نازلة لا مدفع لها ، أو كما يقول أهل الأصول : نازلة لا مدفع لها إلاّ بارتكاب محظور يباح فعله لأجلها .

    ومن النّصوص الواردة في أحوال الضّرورة :

    1 - حريق وقع في محلّة ، فهدم رجل دار غيره ، بغير أمر صاحبه ، وبغير إذن من السّلطان ، حتّى ينقطع عن داره ، ضمن ولم يأثم .

    قال الرّمليّ : وفيه دليل على أنّه لو كان بأمر السّلطان لا يضمن ، ووجهه : أنّ له ولايةً عامّةً ، يصحّ أمره لدفع الضّرر العامّ . وبه صرّح في الخانيّة .

    2 - يجوز أكل الميتة كما يجوز أكل مال الغير مع ضمان البدل إذا اضطرّ .

    3 - لو ابتلعت دجاجة لؤلؤةً ، ينظر إلى أكثرهما قيمةً ، فيضمن صاحب الأكثر قيمة الأقلّ .

    4 - إذا مضت مدّة الإجارة ، والزّرع بقل ، لم يحصد بعد ، فإنّه يترك بالقضاء أو الرّضى ، بأجر المثل إلى إدراكه رعايةً للجانبين ، لأنّ له نهايةً .

    ج - حال تنفيذ الأمر :

    يشترط لانتفاء الضّمان عن المأمور وثبوته على الآمر ، ما يلي :

    1 - أن يكون المأمور به جائز الفعل ، فلو لم يكن جائزاً فعله ضمن الفاعل لا الآمر ، فلو أمر غيره بتخريق ثوب ثالث ضمن المخرّق لا الآمر .

    2 - أن تكون للآمر ولاية على المأمور ، فإن لم تكن له ولاية عليه ، وأمره بأخذ مال غيره فأخذه ، ضمن الآخذ لا الآمر ، لعدم الولاية عليه أصلاً ، فلم يصحّ الأمر ، وفي كلّ موضع لم يصحّ الأمر كان الضّمان على المأمور ، ولم يضمن الآمر .

    وإذا صحّ الأمر بالشّرطين السّابقين ، وقع الضّمان على الآمر ، وانتفى عن المأمور ولو كان مباشراً ، لأنّه معذور لوجوب طاعته لمن هو في ولايته ، كالولد إذا أمره أبوه ، والموظّف إذا أمره رئيسه .

    قال الحصكفيّ : الآمر لا ضمان عليه بالأمر ، إلاّ إذا كان الآمر سلطاناً أو أباً أو سيّداً ، أو كان المأمور صبيّاً أو عبداً .

    وكذا إذا كان مجنوناً ، أو كان أجيراً للآمر .

    د - حال تنفيذ إذن المالك وغيره :

    الأصل أنّه لا يجوز لأحد أن يتصرّف في ملك الغير بلا إذنه ، فإن أذن وترتّب على الفعل المأذون به ضرر انتفى الضّمان ، لكن ذلك مشروط : بأن يكون الشّيء المأذون بإتلافه مملوكاً للآذن ، أو له ولاية عليه .

    وأن يكون الآذن بحيث يملك هو التّصرّف فيه ، وإتلافه ، لكونه مباحاً له .

    وعبّر المالكيّة عن ذلك بأن يكون الإذن معتبراً شرعاً .

    وقال الشّافعيّة : ممّن يعتبر إذنه ، فلو انتفى الإذن أصلاً ، كما لو استخدم سيّارة غيره بغير إذنه ، أو قاد دابّته ، أو ساقها ، أو حمل عليها شيئاً ، أو ركبها فعطبت ، فهو ضامن .

    أو انتفى الملك - كما لو أذن شخص لآخر بفعل ترتّب عليه إتلاف ملك غيره - ضمن المأذون له ، لأنّه لا يجوز التّصرّف في مال غيره بلا إذنه ولا ولايته .

    ولو أذن الآخر بإتلاف ماله ، فأتلفه فلا ضمان ، كما لو قال له : أحرق ثوبي ففعل ، فلا يغرم ، إلاّ الوديعة إذا أذن له بإتلافها يضمنها ، لالتزامه حفظها ، ولو داوى الطّبيب صبيّاً بإذن من الصّبيّ نفسه ، فمات أو عطب ، ضمن الطّبيب ، ولو كان الطّبيب عالماً ، ولو لم يقصّر ، ولو أصاب وجه العلم والصّنعة لأنّ إذن الصّبيّ غير معتبر شرعاً .

    وكذا لو أذن الرّشيد لطبيب في قتله ففعل ، لأنّ هذا الإذن غير معتبر شرعاً ، وهذا عند المالكيّة .

    وقال الحنفيّة : لو قال له اقتلني فقتله ، ضمن ديته ، لأنّ الإباحة لا تجري في النّفس ، لأنّ الإنسان لا يملك إتلاف نفسه ، لأنّه محرّم شرعاً ، لكن يسقط القصاص ، لشبهة الإذن ، كما يقول الحصكفيّ ، وهو قول للشّافعيّة .

    وفي قول للحنفيّة : لا تجب الدّية أيضاً ، وهو قول سحنون من المالكيّة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، فهو هدر للإذن ، وفي قول ابن قاسم : يقتل ، وهو قول الحنفيّة .

    هـ – حال تنفيذ أمر الحاكم أو إذنه :

    إذا ترتّب على تنفيذ أمر الحاكم ، أو إذنه بالفعل ضرر ، ففيه خلاف وتفصيل .

    فلو حفر حفرةً في طريق المسلمين العامّ ، أو في مكان عامّ لهم ، كالسّوق والمنتدى والمحتطب والمقبرة ، أو أنشأ بناءً ، أو شقّ ترعةً ، أو نصب خيمةً ، فعطب بها رجل ، أو تلف بها إنسان ، فديته على عاقلة الحافر ، وإن تلف بها حيوان ، فضمانه في ماله ، لأنّ ذلك تعدّ وتجاوز ، وهو محظور في الشّرع صيانةً لحقّ العامّة لا خلاف في ذلك .

    فإن كان ذلك بإذن الحاكم أو أمره أو أمر نائبه : فذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يضمن ، لأنّه غير متعدّ حينئذ ، فإنّ للإمام ولايةً عامّةً على الطّريق ، إذ ناب عن العامّة ، فكان كمن فعله في ملكه .

    وقال المالكيّة : لو حفر بئراً في طريق المسلمين فتلف فيها آدميّ أو غيره ضمن الحافر لتسبّبه في تلفه ، أذن السّلطان أو لم يأذن ويمنع من ذلك البناء .

    وقال الشّافعيّة : لو حفر بطريق ضيّق يضرّ المارّة فهو مضمون وإن أذن فيه الإمام ، إذ ليس له الإذن فيما يضرّ ، ولو حفر في طريق لا يضرّ المارّة وأذن فيه الإمام فلا ضمان ، سواء حفر لمصلحة نفسه أو لمصلحة المسلمين ، وإن لم يأذن فإن حفر لمصلحته فقط فالضّمان فيه ، أو لمصلحة عامّة فلا ضمان في الأظهر لجوازه ، ومقابل الأظهر : فيه الضّمان ، لأنّ الجواز مشروط بسلامة العاقبة .

    وفصّل الحنابلة ناظرين إلى الطّريق : فإن كان الطّريق ضيّقاً ، فعليه ضمان من هلك به ، لأنّه متعدّ ، سواء أذن الإمام أو لم يأذن ، فإنّه ليس للإمام الإذن فيما يضرّ بالمسلمين ، ولو فعل ذلك الإمام ، يضمن ما تلف به ، التّعدية .

    وإن كان الطّريق واسعاً ، فحفر في مكان يضرّ بالمسلمين ، فعليه الضّمان كذلك .

    وإن حفر في مكان لا ضرر فيه ، نظرنا : فإن حفر لنفسه ، ضمن ما تلف بها ، سواء حفرها بإذن الإمام ، أو بغير إذنه وإن حفرها لنفع المسلمين - كما لو حفرها لينزل فيها ماء المطر ، أو لتشرب منه المارّة - فلا يضمن ، إذا كان بإذن الإمام ، وإن كان بغير إذنه، ففيه روايتان :

    إحداهما : أنّه لا يضمن .

    والأخرى : أنّه يضمن ، لأنّه افتات على الإمام .

    الضّمان في الزّكاة :

    في ضمان زكاة المال ، إذا هلك النّصاب حالتان :

    الحالة الأولى :

    لو هلك المال بعد تمام الحول ، والتّمكّن من الأداء :

    فذهب الجمهور ، إلى أنّ الزّكاة تضمن بالتّأخير ، وعليه الفتوى عند الحنفيّة .

    وذهب بعض الحنفيّة كأبي بكر الرّازيّ ، إلى عدم الضّمان في هذه الحال ، لأنّ وجوب الزّكاة على التّراخي ، وذلك لإطلاق الأمر بالزّكاة ، ومطلق الأمر لا يقتضي الفور ، فيجوز للمكلّف تأخيره ، كما يقول الكمال .

    الحالة الثّانية :

    لو أتلف المالك المال بعد الحول ، قبل التّمكّن من إخراج الزّكاة ، فإنّها مضمونة عند الجمهور أيضاً ، وهو الّذي أطلقه النّوويّ ، وأحد قولين عند الحنفيّة ، لأنّها كما قال البهوتيّ استقرّت بمضيّ الحول ، وعلّله الحنفيّة بوجود التّعدّي منه .

    والقول الآخر عند الحنفيّة : أنّه لا يضمن .

    لو دفع المزكّي زكاته بتحرّ ، إلى من ظنّ أنّه مصرفها ، فبان غير ذلك ففي الإجزاء أو عدمه أي الضّمان خلاف .

    الضّمان في الحجّ عن الغير :

    ذهب جمهور الفقهاء ، إلى جواز الاستئجار على الحجّ ، وفي تضمين من يحجّ عن غيره التّفصيل التّالي :

    أ - إذا أفسد الحاجّ عن غيره حجّه متعمّداً ، بأن بدا له فرجع من بعض الطّريق أو جامع قبل الوقوف ، فإنّه يغرم ما أنفق على نفسه من المال ، لإفساده الحجّ ، ويعيده من مال نفسه عند الحنفيّة .

    وقال النّوويّ : إذا جامع الأجير فسد حجّه ، وانقلب له ، فتلزمه الكفّارة ، والمضيّ في فاسده ، هذا هو المشهور .

    وصرّح الجمل بأنّه لا شيء له على المستأجر ، لأنّه لم ينتفع بما فعله ، وأنّه مقصّر .

    وقال المقدسيّ : ويردّ ما أخذ من المال ، لأنّ الحجّة لم تجزئ عن المستنيب ، لتفريطه وجنابته .

    ب - إذا أحصر الحاجّ عن غيره ، فله التّحلّل وفي دم الإحصار خلاف :

    فعند أبي حنيفة ومحمّد ، وهو أحد وجهين عند الشّافعيّة ورواية عند الحنابلة : أنّه على الآمر ، لأنّه للتّخلّص من مشقّة السّفر ، فهو كنفقة الرّجوع ولوقوع النّسك له ، مع عدم إساءة الأجير .

    وعند أبي يوسف ، وهو الوجه الثّاني عند الشّافعيّة ورواية عند الحنابلة أنّه في ضمان الأجير ، كما لو أفسده .

    ج - إذا فاته الحجّ ، بغير تقصير منه بنوم ، أو تأخّر عن القافلة ، أو غيرهما ، من غير إحصار ، بل بآفة سماويّة ، لا يضمن عند الحنفيّة النّفقة ، لأنّه فاته بغير صنعه ، وعليه الحجّ من قابل ، لأنّ الحجّة وجبت عليه بالشّروع ، فلزمه قضاؤها .

    قال النّوويّ : ولا شيء للأجير في المذهب .

    دم القران والتّمتّع :

    اختلف الفقهاء فيمن يجب عليه دم القران والتّمتّع في الحجّ عن الغير :

    قال الحنفيّة : دم القران والتّمتّع على الحاجّ - أي المأمور بالحجّ عن غيره - إن أذن له الآمر بالقران والتّمتّع ، وإلاّ فيصير مخالفاً ، فيضمن النّفقة .

    وللشّافعيّة تفصيل وتفرقة بين ما إذا كانت الإجارة على الذّمّة أو العين ، وكان قد أمره بالحجّ ، فقرن أو تمتّع .

    وقال الحنابلة : دم التّمتّع والقران على المستنيب ، إن أذن له فيهما ، وإن لم يؤذن فعليه .

    أمّا ما يلزم من الدّماء بفعل المحظورات فعلى الحاجّ وهو المأمور لأنّه لم يؤذن له في الجناية ، فكان موجبها عليه ، كما لو لم يكن نائباً .

    وكلّ ما لزمه بمخالفته ، فضمانه منه كما يقول البهوتيّ .

    الضّمان في الأضحيّة :

    لو مضت أيّام الأضحيّة ، ولم يذبح أو ذبح شخص أضحيّة غيره بغير إذنه

    ضمان صيد الحرم :

    نهى الشّارع عن صيد المحرم ، بحجّ أو عمرة ، حيواناً برّيّاً ، إذا كان مأكول اللّحم - عند الجمهور - من طير أو دابّة ، سواء أصيد من حرم أم من غيره ، وذلك بقوله تعالى: { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } .

    وأطلق المالكيّة عدم جواز قتل شيء من صيد البرّ ، ما أكل لحمه وما لم يؤكل ، لكنّهم أجازوا - كالجمهور - قتل الحيوانات المضرّة : كالأسد ، والذّئب ، والحيّة ، والفأرة ، والعقرب ، والكلب العقور ، بل استحبّ الحنابلة قتلها ، ولا يقتل ضبّ ولا خنزير ولا قرد ، إلاّ أن يخاف من عاديته .

    وأوجب الشّارع في الصّيد المنهيّ عنه بالحرم وبالنّسبة للمحرم ضمان مثل الحيوان المصيد من الأنعام ، فيذبحه في الحرم ويتصدّق به ، أو ضمان قيمته من الطّعام - إن لم يكن له مثل - فيتصدّق بالقيمة ، أو صيام يوم عن طعام كلّ مسكين ، وهو المدّ عند الشّافعيّة ، ونصف الصّاع من البرّ ، أو الصّاع من الشّعير عند الحنفيّة .

    وهذا التّخيير في الجزاء ، لقوله تعالى : { فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } ... الآية .

    ضمان الطّبيب ونحوه :

    مثل الطّبيب : الحجّام ، والختّان ، والبيطار ، وفي ضمانهم خلاف :

    يقول الحنفيّة : في الطّبيب إذا أجرى جراحةً لشخص فمات ، إذا كان الشّقّ بإذن ، وكان معتاداً ، ولم يكن فاحشاً خارج الرّسم ، لا يضمن .

    وقالوا : لو قال الطّبيب : أنا ضامن إن مات لا يضمن ديته لأنّ اشتراط الضّمان على الأمين باطل ، أو لأنّ هذا الشّرط غير مقدور عليه ، كما هو شرط المكفول به .

    وقال ابن نجيم : قطع الحجّام لحماً من عينه ، وكان غير حاذق ، فعميت ، فعليه نصفا الدّية.

    وقال المالكيّة : في الطّبيب والبيطار والحجّام ، يختن الصّبيّ ، ويقلع الضّرس ، فيموت صاحبه لا ضمان على هؤلاء ، لأنّه ممّا فيه التّعزير ، وهذا إذا لم يخطئ في فعله ، فإن أخطأ فالدّية على عاقلته .

    وينظر : فإن كان عارفاً فلا يعاقب على خطئه ، وإن كان غير عارف ، وغرّ من نفسه ، فيؤدّب بالضّرب والسّجن ، وقالوا : الطّبيب إذا جهل أو قصّر ضمن ، والضّمان على العاقلة، وكذا إذا داوى بلا إذن ، أو بلا إذن معتبر ، كالصّبيّ .

    وقال الشّافعيّ : في الحجّام والختّان ونحوهما : إن كان فعل ما يفعله مثله ، ممّا فيه الصّلاح للمفعول به عند أهل العلم بتلك الصّناعة ، فلا ضمان عليه ، وله أجره .

    وإن كان فعل ما لا يفعله مثله ، كان ضامناً ، ولا أجر له في الأصحّ .

    وللشّافعيّة في الختان تفصيل بين الوليّ وغيره : فمن ختنه في سنّ لا يحتمله ، لزمه القصاص ، إلاّ الوالد وإن احتمله ، وختنه وليّ ختان ، فلا ضمان عليه في الأصحّ .

    ضمان المعزّر :

    قال الحنفيّة : من عزّره الإمام فهلك ، فدمه هدر ، وذلك لأنّ الإمام مأمور بالتّعزير، وفعل المأمور لا يتقيّد بشرط السّلامة في التّعزير الواجب ، وقيّده جمهور المالكيّة بأن يظنّ الإمام سلامته ، وإلاّ ضمن ، وكذلك الشّافعيّة يرون التّعزير مقيّداً بسلامة العاقبة .

    ومعنى هذا : أنّ التّعزير إذا أفضى إلى التّلف لا يضمن عند الجمهور بشرط ظنّ سلامة العاقبة ، لأنّه مأذون فيه ، فلا يضمن ، كالحدود ، وهذا ما لم يسرف ، كما نصّ عليه الحنابلة بأن يجاوز المعتاد ، أو ما يحصل به المقصود ، أو يضرب من لا عقل له من صبيّ أو مجنون أو معتوه ، فإنّه يضمن حينئذ ، لأنّه غير مأذون بذلك شرعاً .

    ضمان المؤدّب والمعلّم :

    ذهب الفقهاء إلى منع التّأديب والتّعليم بقصد الإتلاف وترتّب المسئوليّة على ذلك ، واختلفوا في حكم الهلاك من التّأديب المعتاد .

    ضمان قطّاع الطّريق :

    اختلف الفقهاء في تضمين قطّاع الطّريق ما أخذوه من الأموال أثناء الحرابة ، وذلك بعد إقامة الحدّ عليهم فذهب جمهور الفقهاء إلى تضمينهم .

    ضمان البغاة :

    لا خلاف في أنّ العادل إذا أصاب من أهل البغي ، من دم أو جراحة ، أو مال استهلكه أنّه لا ضمان عليه ، وذلك في حال الحرب وحال الخروج ، لأنّه ضرورة ، ولأنّا مأمورون بقتالهم ، فلا نضمن ما تولّد منه .

    أمّا إذا أصاب الباغي من أهل العدل شيئاً من نفس أو مال فمذهب الجمهور - وهو الرّاجح عند الشّافعيّة - أنّه موضوع ، ولا ضمان فيه .

    وفي قول للشّافعيّة : أنّه مضمون ، يقول الرّمليّ من الشّافعيّة : لو أتلفوا علينا نفساً أو مالاً ضمنوه ، وعلّق عليه الشّبراملّسي بقوله : أي بغير القصاص ، وعلّله الشّربينيّ بأنّهما فرقتان من المسلمين ، محقّة ومبطلة ، فلا يستويان في سقوط الغرم ، كقطّاع الطّريق ، لشبهة تأويلها .

    واستدلّ الجمهور بما روي عن الزّهريّ ، أنّه قال : وقعت الفتنة ، وأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم متوافرون ، فاتّفقوا على أنّ كلّ دم استحلّ بتأويل القرآن فهو موضوع، وكلّ مال استحلّ بتأويل القرآن فهو موضوع .

    قال الكاسانيّ : ومثله لا يكذب ، فوقع الإجماع من الصّحابة - رضي الله عنهم - على ذلك، وهو حجّة قاطعة .

    ولأنّ الولاية من الجانبين منقطعة ، لوجود المنعة ، فلم يكن وجوب الضّمان مفيداً لتعذّر الاستيفاء ، فلم يجب .

    ولأنّ تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم من الرّجوع إلى الطّاعة فسقط ، كأهل الحرب ، أو كأهل العدل .

    هذا الحكم في حال الحرب ، أمّا في غير حال الحرب ، فمضمون .

    ضمان السّارق للمسروق :

    لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المسروق إن كان قائماً فإنّه يجب ردّه إلى من سرق منه .

    ضمان إتلاف آلات اللّهو :

    آلة اللّهو : كالمزمار ، والدّفّ ، والبربط ، والطّبل ، والطّنبور ، وفي ضمانها بعض الخلاف :

    فمذهب الجمهور ، والصّاحبين من الحنفيّة ، أنّها لا تضمن بالإتلاف وذلك : لأنّها ليست محترمةً ، لا يجوز بيعها ولا تملّكها ، ولأنّها محرّمة الاستعمال ، ولا حرمة لصنعتها . ومذهب أبي حنيفة أنّه يضمن بكسرها قيمتها خشباً منحوتاً صالحاً لغير اللّهو لا مثلها ، ففي الدّفّ يضمن قيمته دفّاً يوضع فيه القطن ، وفي البربط يضمن قيمته قصعة ثريد .

    ويصحّ بيعها ، لأنّها أموال متقوّمة لصلاحيّتها بالانتفاع بها في غير اللّهو ، فلم تناف الضّمان ، كالأمة المغنّية ، بخلاف الخمر فإنّها حرام لعينها ، والفتوى على مذهب الصّاحبين، أنّه لا يضمنها ، ولا يصحّ بيعها .

    قالوا : وأمّا طبل الغزاة والصّيّادين والدّفّ الّذي يباح ضربه في العرس ، فمضمون اتّفاقاً ، كالأمة المغنّية ، والكبش النّطوح ، والحمامة الطّيّارة ، والدّيك المقاتل .

    حيث تجب قيمتها غير صالحة لهذا الأمر .

    وذكر ابن عابدين ، أنّ هذا الاختلاف بين أبي حنيفة وبين صاحبيه إنّما هو : في الضّمان ، دون إباحة إتلاف المعازف ، وفيما يصلح لعمل آخر ، وإلاّ لم يضمن شيئاً اتّفاقاً ، وفيما إذا فعل بغير إذن الإمام ، وإلاّ لم يضمن اتّفاقاً .

    وفي غير عود المغنّي وخابية الخمّار ، لأنّه لو لم يكسرها لعاد لفعله القبيح ، وفيما إذا كان لمسلم ، فلو لذمّيّ ضمن اتّفاقاً قيمته بالغاً ما بلغ ، وكذا لو كسر صليبه ، لأنّه مال متقوّم في حقّه .

    ضمان ما يترتّب على ترك الفعل :

    لمال المسلم حرمة كما لنفسه ، وقد اختلف الفقهاء في تضمين من يترك فعلاً من شأنه إنقاذ مال المسلم من الضّياع ، أو نفسه من الهلاك .

    ترك الشّهادة والرّجوع عنها :

    ذهب الفقهاء إلى أنّ من يترك الشّهادة بعد طلبها منه وعلمه أنّ تركها يؤدّي إلى ضياع الحقّ الّذي طلبت من أجله آثم ، لقوله تعالى : { وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } .

    ونصّ المالكيّة على أنّ من ترك الشّهادة بعد طلبها منه وعلمه أنّ تركها يؤدّي إلى ضياع الحقّ يضمن .

    قطع الوثائق :

    نصّ المالكيّة على أنّه إذا قطع وثيقةً ، فضاع ما فيها من الحقوق ، فهو ضامن ، لتسبّبه في الإتلاف وضياع الحقّ ، سواء أفعل ذلك عمداً أم خطأً ، لأنّ العمد أو الخطأ في أموال النّاس سواء - كما يقول الدّسوقيّ - وكذا إذا أمسك الوثيقة بمال ، أو عفو عن دم . ولو قتل شاهدي الحقّ ، أو قتل أحدهما وهو لا يثبت إلاّ بشهادتهما ، فالأظهر أنّه يغرم جميع الحقّ ، وجميع المال وفي قتله تردّد .

    تضمين السّعاة :

    إذا سعى لدى السّلطان لدفع أذاه عنه ، ولا يرتفع أذاه إلاّ بذلك ، أو سعى بمن يباشر الفسق ولا يمتنع بنهيه فلا ضمان في ذلك ، عند الحنفيّة .

    وإذا سعى لدى السّلطان ، وقال : إنّ فلاناً وجد كنزاً ، فغرّمه السّلطان ، فظهر كذبه ، ضمن، إلاّ إن كان السّلطان عدلاً ، أو قد يغرم أو لا يغرم ، لكن الفتوى اليوم - كما نقل ابن عابدين عن المنح - بوجوب الضّمان على السّاعي مطلقاً .

    والسّعاية الموجبة للضّمان : أن يتكلّم بكذب يكون سبباً لأخذ المال من شخص ، أو كان صادقاً لكن لا يكون قصده إقامة الحسبة كما لو قال : وجد مالاً وقد وجد المال ، فهذا يوجب الضّمان ، إذ الظّاهر أنّ السّلطان يأخذ منه المال بهذا السّبب .

    ولو كان السّلطان يغرم ألبتّة بمثل هذه السّعاية ، ضمن .

    وكذا يضمن لو سعى بغير حقّ - عند محمّد - زجراً للسّاعي ، وبه يفتى ويعزّر ولو مات السّاعي فللمسعى به أن يأخذ قدر الخسران من تركته ، وهو الصّحيح ، وذلك دفعاً للفساد وزجراً للسّاعي ، وإن كان غير مباشر ، فإنّ السّعي سبب محض لإهلاك المال ، والسّلطان يغرّمه اختياراً لا طبعاً .

    ونقل الرّمليّ عن القنية : شكا عند الوالي بغير حقّ ، فضرب المشكوّ عليه ، فكسر سنّه أو يده ، يضمن الشّاكي أرشه ، كالمال .

    وتعرّض المالكيّة لمسألة الشّاكي للحاكم ممّن ظلمه ، كالغاصب وقالوا : إذا شكاه إلى حاكم ظالم ، مع وجود حاكم منصف ، فغرّمه الحاكم زائداً عمّا يلزمه شرعاً ، بأن تجاوز الحدّ الشّرعيّ ، قالوا : يغرم .

    وفي فتوى : أنّه يضمن الشّاكي جميع ما غرّمه السّلطان الظّالم للمشكوّ .

    وفي قول ثالث : أنّه لا يضمن الشّاكي شيئاً مطلقاً ، وإن ظلم في شكواه ، وإن أثم وأدّب . ونصّ الحنابلة على أنّه لو غرم إنسان ، بسبب كذب عليه عند وليّ الأمر ، فللغارم تغريم الكاذب عليه لتسبّبه في ظلمه ، وله الرّجوع على الآخذ منه ، لأنّه المباشر .

    إلقاء المتاع من السّفينة :

    قال الحنفيّة : إذا أشرفت سفينة على الغرق ، فألقى بعضهم حنطة غيره في البحر، حتّى خفّت السّفينة ، يضمن قيمتها في تلك الحال ، أي مشرفةً على الغرق ، ولا شيء على الغائب الّذي له مال فيها ، ولم يأذن بالإلقاء ، فلو أذن بالإلقاء ، بأن قال : إذا تحقّقت هذه الحال فألقوا ، اعتبر إذنه .

    وقالوا : إذا خشى على الأنفس ، فاتّفقوا على إلقاء الأمتعة فالغرم بعدد الرّءوس إذا قصد حفظ الأنفس خاصّةً - كما يقول ابن عابدين - لأنّها لحفظ الأنفس ، وهذا اختيار الحصكفيّ وهو أحد أقوال ثلاثة ، ثانيها : أنّه على الأملاك مطلقاً ، ثالثها عكسه .

    ولو خشى على الأمتعة فقط - بأن كانت في موضع لا تغرق فيه الأنفس - فهي على قدر الأموال ، وإذا خشى عليهما ، فهي على قدرهما ، فمن كان غائباً ، وأذن بالإلقاء ، اعتبر ماله ، لا نفسه .

    ومن كان حاضرًا بماله اعتبر ماله ونفسه فقط .

    ومن كان بنفسه فقط اعتبر نفسه .

    وقال المالكيّة : إذا خيف على السّفينة الغرق ، جاز طرح ما فيها من المتاع ، أذن أربابه أو لم يأذنوا ، إذا رجا بذلك نجاته ، وكان المطروح بينهم على قدر أموالهم ، ولا غرم على من طرحه .

    وقال الشّافعيّة : إذا أشرفت سفينة فيها متاع وركاب على غرق ، وخيف هلاك الرّكاب ، جاز إلقاء بعض المتاع في البحر ، لسلامة البعض الآخر : أي لرجائها ، وقال البلقينيّ : بشرط إذن المالك .

    وقال النّوويّ : ويجب لرجاء نجاة الرّاكب .

    وقالوا - أيضاً - ويجب إلقاؤه - وإن لم يأذن مالكه - إذا خيف الهلاك لسلامة حيوان محترم ، بخلاف غير المحترم ، كحربيّ ومرتدّ .

    ويجب إلقاء حيوان ، ولو محترماً ، لسلامة آدميّ محترم ، إن لم يمكن دفع الغرق بغير إلقائه .

    وقال الأذرعيّ : ينبغي أن يراعي في الإلقاء تقديم الأخسّ فالأخسّ قيمةً من المتاع إن أمكن، حفظاً للمال ما أمكن ، قالوا : وهذا إذا كان الملقي غير المالك .

    وقالوا : يجب إلقاء ما لا روح فيه لتخليص ذي روح ، وإلقاء الدّوابّ لإبقاء الآدميّين .

    وإذا اندفع الغرق بطرح بعض المتاع اقتصر عليه .

    قال النّوويّ في منهاجه : فإن طرح مال غيره بلا إذن ضمنه ، وإلاّ فلا ، كأكل المضطرّ طعام غيره بغير إذنه .

    قالوا : ولو قال : ألق متاعك عليّ ضمانه ، أو على أنّي ضامن ضمن ، ولو اقتصر على : ألق ، فلا ، على المذهب - لعدم الالتزام - .

    والحنابلة قالوا بهذه الفروع :

    أ - إذا ألقى بعض الرّكبان متاعه ، لتخفّ السّفينة وتسلم من الغرق ، لم يضمّنه أحد ، لأنّه أتلف متاع نفسه باختياره ، لصلاحه وصلاح غيره .

    ب - وإن ألقى متاع غيره بغير أمره ، ضمنه وحده .

    ج - وإن قال لغيره : ألق متاعك فقبل منه ، لم يضمنه له ، لأنّه لم يلتزم ضمانه .

    د - وإن قال : ألق وأنا ضامن له ، أو : وعليّ قيمته ، لزمه ضمانه ، لأنّه أتلف ماله بعوض لمصلحته ، فوجب له العوض على ما التزمه .

    هـ – وإن قال : ألقه وعليّ وعلى ركبان السّفينة ضمانه ، فألقاه ، ففيه وجهان :

    أحدهما : يلزمه ضمانه وحده ، لأنّه التزم ضمانه جميعه ، فلزمه ما التزمه ، وقال القاضي: إن كان ضمان اشتراك ، مثل أن يقول : نحن نضمن لك أو على كلّ واحد منّا ضمان قسطه لم يلزمه إلاّ ما يخصّه من الضّمان لأنّه لم يضمن إلاّ حصّته ، وإنّما أخبر عن الباقين بالضّمان ، فسكتوا وسكوتهم ليس بضمان .

    وإن التزم ضمان الجميع ، وأخبر عن كلّ واحد منهم بمثل ذلك ، لزمه ضمان الكلّ .

    منع المالك عن ملكه حتّى يهلك :

    مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، في مسألة منع المالك عن ملكه حتّى يهلك ، وإزالة يده عنه ، هو عدم الضّمان .

    قال الحنفيّة : لو منع المالك عن أمواله حتّى هلكت ، يأثم ، ولا يضمن .

    نقل هذا ابن عابدين عن ابن نجيم في البحر ، وعلّله بأنّ الهلاك لم يحصل بنفس فعله ، كما لو فتح القفص فطار العصفور ، فإنّه لا يضمن ، لأنّ الطّيران بفعل العصفور ، لا بنفس فتح الباب .

    والمنصوص في مسألة فتح القفص ، أنّه قول أبي حنيفة ، وفي قول محمّد يضمن ، وبه كان يفتي أبو القاسم الصّفّار .

    واستدلّ بهذه المسألة صاحب البحر ، على أنّه لا يلزم من الإثم الضّمان .

    وقال الشّافعيّة : إن حبس المالك عن الماشية لا ضمان فيه ، وكذا لو منع مالك زرع أو دابّة من السّقي ، فهلك لا ضمان في ذلك .

    ويبدو أنّ مذهب المالكيّة في مسألة منع المالك ، هو الضّمان ، للتّسبّب في الإتلاف .

    وهو أيضاً مذهب الحنابلة ، إذ علّلوا الضّمان بأنّه لتسبّبه بتعدّيه .

    ومن فروعهم في ذلك : أنّه لو أزال يد إنسان عن حيوان فهرب يضمنه ، لتسبّبه في فواته، أو أزال يده الحافظة لمتاعه حتّى نهبه النّاس ، أو أفسدته النّار ، أو الماء ، يضمنه .

    وقالوا : لربّ المال تضمين فاتح الباب لتسبّبه في الإضاعة ، والقرار على الآخذ لمباشرته . فإن ضمّن ربّ المال الآخذ لم يرجع على أحد ، وإن ضمّن الفاتح رجع على الآخذ .

    تضمين المجتهد والمفتي :

    قال المالكيّة : لا شيء على مجتهد أتلف شيئاً بفتواه .

    أمّا غير المجتهد ، فيضمن إن نصّبه السّلطان أو نائبه للفتوى ، لأنّها كوظيفة عمل قصّر فيها .

    وإن لم يكن منتصباً للفتوى ، وهو مقلّد ، ففي ضمانه قولان ، مبنيّان على الخلاف في الغرور القوليّ : هل يوجب الضّمان ، أو لا ؟ والمشهور عدم الضّمان .

    والظّاهر – كما نقل الدّسوقيّ – أنّه إن قصّر في مراجعة النّقول ، ضمن ، وإلاّ فلا ، ولو صادف خطؤه ، لأنّه فعل مقدوره ، ولأنّ المشهور عدم الضّمان بالغرور القوليّ .

    ونصّ السّيوطيّ على أنّه : لو أفتى المفتي إنساناً بإتلاف ، ثمّ تبيّن خطؤه كان الضّمان على المفتي .

    تفويت منافع الإنسان وتعطيلها :

    تعطيل المنفعة : إمساكها بدون استعمال ، أمّا استيفاؤها فيكون باستعمالها ، والتّفويت تعطيل ، ويفرّق جمهور الفقهاء بين استيفاء منافع الإنسان ، وبين تفويتها ، بوجه عامّ في تفصيل :

    فنصّ المالكيّة على أنّ تعطيل منافع الإنسان وتفويتها ، لا ضمان فيه ، كما لو حبس امرأةً حتّى منعها من التّزوّج ، أو الحمل من زوجها ، أو حبس الحرّ حتّى فاته عمل من تجارة ونحوها ، لا شيء عليه .

    أمّا لو استوفى المنفعة ، كما لو وطئ البضع أو استخدم الحرّ فإنّه يضمن ذلك ، فعليه في وطء الحرّة صداق مثلها ، ولو كانت ثيّباً ، وعليه في وطء الأمة ما نقصها ، ونصّ الشّافعيّة على أنّ منفعة البضع لا تضمن إلاّ بالتّفويت بالوطء ، وتضمن بمهر المثل ، ولا تضمن بفوات ، لأنّ اليد لا تثبت عليها ، إذ اليد في بضع المرأة لها ، وكذا منفعة بدن الحرّ لا تضمن إلاّ بتفويت في الأصحّ ، كأن قهره على عمل .

    وفي قول ثان لهم : تضمن بالفوات أيضاً ، لأنّها لتقوّيها في عقد الإجارة الفاسدة تشبه منفعة المال .

    ودليل القول الأوّل : أنّ الحرّ لا يدخل تحت اليد ، فمنفعته تفوت تحت يده .

    ونصّ الحنابلة على أنّ الحرّ لا يضمن بالغصب ، ويضمن بالإتلاف ، فلو أخذ حرّاً فحبسه ، فمات عنده لم يضمنه ، لأنّه ليس بمال .

    وإن استعمله مكرهاً ، لزمه أجر مثله ، لأنّه استوفى منافعه ، وهي متقوّمة ، فلزمه ضمانها، ولو حبسه مدّةً لمثلها أجر ، ففيه وجهان :

    أحدهما : أنّه يلزمه أجر تلك المدّة ، لأنّه فوّت منفعته ، وهي مال فيجوز أخذ العوض عنها. والثّاني : لا يلزمه لأنّها تابعة لما لا يصحّ غصبه .

    ولو منعه العمل من غير حبس ، لم يضمن منافعه وجهاً واحداً .

    أمّا الحنفيّة فلا يقولون بالضّمان بتفويت منافع الإنسان ، لأنّه لا يدخل تحت اليد ، فليس بمال ، فلا تضمن منافع بدنه .

    ضَمَان الدَّرَك
    الدّرك : بفتحتين ، وسكون الرّاء لغةً ، اسم من أدركت الرّجل أي لحقته ، وقد جاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » أنّه كان يتعوّذ من جهد البلاء ودرك الشّقاء « أي من لحاق الشّقاء .

    قال الجوهريّ : الدّرك التّبعة ، قال أبو سعيد المتولّي : سمّي ضمان الدّرك لالتزامه الغرامة عند إدراك المستحقّ عين ماله ويستعمل الفقهاء كذلك هذا اللّفظ بمعنى التّبعة أي المطالبة والمؤاخذة .

    فقد عرّف الحنفيّة ضمان الدّرك : بأنّه التزام تسليم الثّمن عند استحقاق المبيع .

    وعرّفه الشّافعيّة بأنّه : هو أن يضمن شخص لأحد العاقدين ما بذله للآخر إن خرج مقابله مستحقّاً أو معيباً أو ناقصاً لنقص الصّنجة ، سواء أكان الثّمن معيّناً أم في الذّمّة .

    ولا يخرج تعريف الفقهاء الآخرين لضمان الدّرك عمّا قاله الحنفيّة والشّافعيّة في تعريفه . ويعبّر عنه الحنابلة بضمان العهدة ، كما يعبّر عنه الحنفيّة في الغالب بالكفالة بالدّرك .

    الحكم الإجماليّ :

    ضمان الدّرك جائز عند جمهور الفقهاء ، ومنع بعض الشّافعيّة ضمان الدّرك لكونه ضمان ما لم يجب .

    ألفاظ ضمان الدّرك :

    من ألفاظ هذا الضّمان عند جمهور الفقهاء أن يقول الضّامن : ضمنت عهدته أو ثمنه أو دركه ، أو يقول للمشتري : ضمنت خلاصك منه .

    قال ابن قدامة : إنّ العهدة صارت في العرف عبارةً عن الدّرك وضمان الثّمن ، والكلام المطلق يحمل على الأسماء العرفيّة دون اللّغويّة .

    ويرى الحنفيّة أنّ ضمان العهدة باطل لاشتباه المراد بها ، لإطلاقها على الصّكّ وعلى العقد ، وعلى حقوقه وعلى الدّرك ، فبطل للجهالة ، بخلاف ضمان الدّرك ، قال ابن نجيم : ولا يقال ينبغي أن يصرف إلى ما يجوز الضّمان به وهو الدّرك تصحيحاً لتصرّف الضّامن لأنّا نقول : فراغ الذّمّة أصل فلا يثبت الشّغل بالشّكّ والاحتمال .

    كما أنّ ضمان الخلاص باطل عند أبي حنيفة ، لأنّه يفسّره بتخليص المبيع لا محالة ولا قدرة للضّامن عليه ، لأنّ المستحقّ لا يمكّنه منه ، ولو ضمن تخليص المبيع أو ردّ الثّمن جاز ، لإمكان الوفاء به وهو تسليمه إن أجاز المستحقّ ، أو ردّه إن لم يجز ، فالخلاف راجع إلى التّفسير .

    ويرى الجمهور ومنهم أبو يوسف ومحمّد أنّ ضمان الخلاص بمنزلة ضمان الدّرك ، وفسّروا ضمان الخلاص بتخليص المبيع إن قدر عليه وردّ الثّمن إن لم يقدر عليه وهو ضمان الدّرك في المعنى ، فالخلاف لفظيّ فقط .

    أمّا ضمان خلاص المبيع بمعنى أن يشترط المشتري أنّ المبيع إن استحقّ من يده يخلّصه ويسلّمه بأيّ طريق يقدر عليه فهذا باطل ، لأنّه شرط لا يقدر على الوفاء به إذ المستحقّ ربّما لا يساعده عليه .

    متعلّق ضمان الدّرك :

    يقول الشّافعيّة : إنّ متعلّق ضمان الدّرك هو عين الثّمن أو المبيع إن بقي وسهل ردّه ، وبدله أي قيمته إن عسر ردّه ، ومثل المثليّ وقيمة المتقوّم إن تلف ، وتعلّقه بالبدل أظهر . ويرى الحنابلة أنّ متعلّق ضمان الدّرك - ضمان العهدة - هو الثّمن أو جزء منه ، سواء كان الضّمان عن البائع للمشتري أو عن المشتري للبائع ، حيث يقولون : ويصحّ ضمان عهدة المبيع عن البائع للمشتري وعن المشتري للبائع ، فضمانه عن المشتري : هو أن يضمن الثّمن الواجب بالبيع قبل تسليمه ، وإن ظهر فيه عيب أو استحقّ رجع بذلك على الضّامن ، وضمانه عن البائع للمشتري : هو أن يضمن عن البائع الثّمن متى خرج المبيع مستحقّاً أو ردّ بعيب أو أرش العيب ، فضمان العهدة في الموضعين هو ضمان الثّمن أو جزء منه .

    ويؤخذ من عبارات فقهاء الحنفيّة والمالكيّة أنّ متعلّق ضمان الدّرك عندهم هو الثّمن أيضاً ، إلاّ أنّه يختلف مذهب الحنابلة عن مذهب الحنفيّة والمالكيّة في أنّ الحنابلة يعتبرون ضمان الثّمن الواجب تسليمه عن المشتري للبائع من قبيل ضمان الدّرك - ضمان العهدة - في حين يختصّ ضمان الدّرك عند الحنفيّة والمالكيّة بالكفالة بأداء ثمن المبيع إلى المشتري وتسليمه إليه إن استحقّ المبيع وضبط من يده ، أمّا ضمان الثّمن الواجب تسليمه عن المشتري للبائع فهو يتحقّق ضمن الكفالة بالمال بشروطها .

    شروط صحّة ضمان الدّرك :

    من شروط صحّة ضمان الدّرك أن يكون المضمون ديناً صحيحاً ، والدّين الصّحيح : هو ما لا يسقط إلاّ بالأداء أو الإبراء ، فلا يصحّ بغيره كبدل الكتابة فإنّه يسقط بالتّعجيز . ويشترط الشّافعيّة لصحّة ضمان الدّرك قبض الثّمن ، فلا يصحّ ضمان الدّرك عندهم قبل قبض الثّمن ، لأنّ الضّامن إنّما يضمن ما دخل في يد البائع ، ولا يدخل الثّمن في ضمانه إلاّ بقبضه .

    حكم ضمان الدّرك في حالتي الإطلاق والتّقييد :

    إذا أطلق ضمان الدّرك أو العهدة اختصّ بما إذا خرج الثّمن المعيّن مستحقّاً إذ هو المتبادر ، لا ما خرج فاسداً بغير الاستحقاق ، فلو انفسخ البيع بما سوى الاستحقاق مثل الرّدّ بالعيب أو بخيار الشّرط أو بخيار الرّؤية لا يؤاخذ به الضّامن ، لأنّ ذلك ليس من الدّرك.

    أمّا إذا قيّده بغير استحقاق المبيع كخوف المشتري فساد البيع بدعوى البائع صغراً أو إكراهاً، أو خاف أحدهما كون العوض معيباً ، أو شكّ المشتري في كمال الصّنجة الّتي تسلّم بها المبيع ، أو شكّ البائع في جودة جنس الثّمن فضمن الضّامن ذلك صريحاً صحّ ضمانه كضمان العهدة .

    وتجدر الإشارة إلى أنّ الكفيل بالدّرك يضمن المكفول به فقط ، ولا يضمن مع المكفول به ضرر التّغرير لأنّه ليس للكفيل كفالة بذلك .

    ما يترتّب على ضمان الدّرك :

    أ - حقّ المشتري في الرّجوع بالثّمن :

    يترتّب على ضمان الدّرك حقّ المشتري في الرّجوع بالثّمن عند استحقاق المبيع ، ويحقّ له مطالبة الضّامن والأصيل به .

    إلاّ أنّ الفقهاء اختلفوا في وقت مطالبة الضّامن بالثّمن :

    ذهب الجمهور ومنهم أبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّ مجرّد القضاء بالاستحقاق يكفي لمؤاخذة ضامن الدّرك والرّجوع بالثّمن عليه .

    وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يؤاخذ ضامن الدّرك إن استحقّ المبيع ما لم يقض بالثّمن على البائع ، لأنّ البيع لا ينتقض بمجرّد الاستحقاق ، ولهذا لو أجاز المستحقّ البيع قبل الفسخ جاز ولو بعد قبضه وهو الصّحيح ، فما لم يقض بالثّمن على البائع لا يجب ردّ الثّمن على الأصيل فلا يجب على الكفيل .

    وذهب المالكيّة إلى أنّ الضّامن يغرم الثّمن حين الدّرك في غيبة البائع وعدمه .

    ب - منع دعوى التّملّك والشّفعة :

    ضمان الدّرك للمشتري عند البيع تسليم من الضّامن بأنّ المبيع ملك البائع فيكون مانعاً لدعوى التّملّك والشّفعة بعد ذلك ، لأنّ هذا الضّمان لو كان مشروطاً في البيع فتمامه بقبول الضّامن فكأنّه هو الموجب له ثمّ بالدّعوى يسعى في نقض ما تمّ من جهته ، وإن لم يكن مشروطاً فالمراد به إحكام البيع وترغيب المشتري في الابتياع ، إذ لا يرغب فيه دون الضّمان فنزل التّرغيب منزلة الإقرار بملك البائع ، فلا تصحّ دعوى الضّامن الملكيّة لنفسه بعد ذلك للتّناقض .

    وذهب الحنابلة والشّافعيّة إلى أنّه إن ضمن الشّفيع العهدة للمشتري لم تسقط شفعته ، لأنّ هذا سبب سبق وجوب الشّفعة فلم تسقط به الشّفعة كالإذن في البيع والعفو عن الشّفعة قبل تمام البيع .


المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-06-2010, 07:12 PM
  2. القتل في الشريعة الإسلامية
    بواسطة بسمة رزق في المنتدى الاحوال الشخصيه
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 07-12-2009, 05:49 AM
  3. الشفعة في الشريعة الإسلامية
    بواسطة بسمة رزق في المنتدى الاحوال الشخصيه
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 07-12-2009, 05:40 AM
  4. الشُفْعَة في الشريعة الإسلامية
    بواسطة بسمة رزق في المنتدى الاحوال الشخصيه
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-06-2009, 05:54 PM
  5. توقعات الشريعة الإسلامية
    بواسطة almany في المنتدى ارشيف الفرقة الثانية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01-22-2009, 11:38 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •